السؤال
بالطلب المقيد وقد جاء به أن حكما صدر من محكمة إمارة الشارقة الشرعية بتطليق زوجة مصرية من زوجها المصرى للضرر، وقد كان الزوجان يقيمان فى هذه الإمارة وقت الترافع إلى تلك المحكمة، وقد صدر الحكم حضوريا بعد سماع الدعوى واقوال وأدلة طرفيها.
وقد تزوجت هذه المطلقة بعد انتهاء فترة العدة بزوج مسلم آخر.
والسؤال (أ) ما مدى ولاية القاضى المسلم فى دولة أخرى مسلمة على المصريين المسلمين المقيمين فى دائرة ولايته، وقد طبق على الدعوى الحكم الشرعى (ب) ما مدى حجية الحكم الصادر بالتطليق من محكمة الشارقة فى فقه الإسلام وفى النظام القانونى فى مصر (ج) ثم هل يعتبر الزواج الذى تم بين هذه المطلقة والزوج الآخر بعد انتهاء عدتها من الأول صحيحا شرعا
الجواب
قال الله سبحانه ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ البقرة 143، وقال ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ آل عمران 110، وقال ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾ الأنبياء 92، وقال ﴿وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون﴾ المؤمنون 52، بهذه الآيات الكريمة وغيرها فى القرآن وبهدى وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كان المسلون أمة واحدة مستظلين براية الإسلام برآء من عصبيات الجنسية والإقليمية التى اتخذها عرف الناس أساسا للجماعات فقد جعلهم الإسلام أمة واحدة مهما تباعدت أقطارهم ومواقعهم على أرض الله الواسعة الأرجاء.
ومن هنا كان تقسيم فقهاء الإسلام، الأرض المعمورة إلى جار الإسلام، وتضم البلاد التى يسود فيها الإسلام، ودار الحرب، وتضم البلاد التى لم يدخل أهلها فى الإسلام دينا، وإن لم يحاربوا المسلمين.
وقال الفقهاء إن مناط سيادة الشريعة الإسلامية على الأشخاص هو الإسلام أى الدين، وليس التبعية السياسية لدولة، أى الجنسية، وإن الشريعة الإسلامية شريعة إقليمية يخضع لها كافة الأشخاص فى دار الإسلام، مهما كانت ديانتهم أو جنسيتهم، وإن أجازت - فى قول بعض الفقهاء - لغير المسلمين التحاكم لشرائعهم الدينية فى حدود ضيقة (أمرنا بتركهم وما يدينون) .
ومن أجل هذا كانت بلاد المسلمين أو دار الإسلام تكون وحدة دينية تربطها رابطة الدين وتسود فيها شريعة الإسلام، مهما تعددت الحكومات فى مختلف أقطارها، وكان توارث المسلمين وإن اختلفت جنسياتهم السياسية أمرا لا جدال فيه.
ذلك لأن الشريعة الإسلامية قامت على أصل واحد، وهو وجوب الانقياد لها على كل مسلم فى أى محل، وإلى أى بلد ارتحل.
فإذا نزل المسلم ببلد إسلامى جرت عليه أحكام هذه الشريعة الغراء فى ذلك البلد، وصار له من الحق ما لأهله.
وعليه من الواجب ما على أهله، لا يميزه عنهم مميز، ولا أثر لاختلاف البلاد فى اختلاف الأحكام، وإن تعددت المذاهب الفقهية الاجتهادية التى يتبعونها، فقد يسود فى بعض الأقطار فقه مذهب أبى حنيفة، وفى بعض آخر مذهب مالك، وبعض ثالث مذهب الشافعى، وبعض رابع مذهب أحمد بن حنبل، وبعض خامس المذهب الزيدى، أو الشيعى الجعفرى، لكن هذا لا أثر له فى الحق للشخص أو عليه، إذ متى قضى له أو عليه، فله ما قضى له به، وعليه أداء ما قضى عليه به على أى مذهب كان، متى كان القاضى صاحب ولاية مروعة صادرة من ولى الأمر فى الجهة التى يقضى فيها، فقد اتفق فقهاء المذاهب جميعا على أن حكم القاضى فى أمر مجتهد فيه يرفع الخلاف.
كما أن فقه الإسلام فى كافة اجتهاداته لا يربط الأحكام بالأوطان والإقليمية إلا فى العبادات كقصر الصلاة للمسافر وجواز الفطر فى رمضان، مثلا، والحج ومناسكه فى مواطن محددة بأرض الحجاز، وفى القضاء واختصاص المحاكم بما يسمى الآن - الاختصاص المحلى - تحدث الفقهاء فى تعيين الجهة التى يكون لقاضيها الاختصاص بالدعوى اختصاصا مكانيا، بمعنى هل ترفع فى محل المدعى أو فى محل المدعى عليه غير أن الخلاف فى شىء من هذا لا يغير فى حق الخصوم ولا يوهن منه.