المفتي
عبد المجيد سليم.
صفر سنة 1358 هجرية - 12 أبريل سنة 1939 م
المبادئ
1- كل ما خامر العقل وستره فهو خمر ومحرم شرعا.
2- حد شارب الخمر الجلد مع اختلاف فى مقداره، والزيادة عليه تعزيز مفوض للامام، وهو الذى يقيم الحد أو نائبه.
3- لا يجوز لغير المسلمين بيع الخمر علنا.
4- النهى عن المنكر يكون إذا لم يترتب على هذا النهى منكر أعظم من هذا المنكر ومفسدة أشد من مفسدة فعل المنكر
السؤال
من الأستاذ مصطفى أفندى قال ما حكم الإسلام فى الخمر، وما هو حد شارب الخمر، وإلى أى حد يجوز لغير المسلمين الاتجار فيها وبيعها للمسلمين على رؤوس الأشهاد، وما هو حد الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
وما قول فضيلتكم فى مسلم أساءه الاستهتار بالدين إذ رأى الحانات تفتح أمام المساجد فدعا المسلمين إلى العمل على إغلاقها وقصر بيعها على أهل الذمة فى أحيائهم ولفضيلتكم أكرم الثواب
الجواب
اطلعنا على هذا السؤال ونفيد بما يأتى عن المسألة الأولى أن حكم الخمر فى الشريعة الإسلامية هو الحرمة.
وذلك ثابت بالكتاب والسنة، أما الكتاب فقول الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون.
إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} المائدة 90، 91، وأما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام وروى عبد الله بن عمر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه رواه أبو داود.
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة الواردة فى تحريم الخمر.
قال ابن قدامة فى المغنى (وثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم تحريم الخمر بأخبار تبلغ بمجموعها رتبة التواتر) .
هذا والخمر - كل مسكر خامر العقل وستره - فاسم الخمر يتناول كل شراب مسكر - سواء أكان من العنب أو من غيره، وهذا ماعليه جمهور الفقهاء وأهل الحديث جميعا، ويدل على ذلك ما جاء فى البخارى عن ابن عمر رضى الله عنهما قال (خطب عمر رضى الله عنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنه قد نزل تحريم الخمر وهى من خمسة أشياء العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل.
والخمر ما خامر العقل) وما رواه البخارى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال (كنت أسقى أبا عبيدة وأبا طلحة وأبى ابن كعب من فضيخ زهو وتمر فجاءهم آت فقال إن الخمر قد حرمت فقال أبو طلحة قم يا أنس فأهرقها فأهرقتها) والفضيخ بوزن عظيم اسم للبسر إذا شدخ ونبذ.
والزهو بفتح الزاى وسكون الهاء بعدهما واو هو البسر الذى يحمر أو يصفر قبل أن يترطب.
وفى البخارى عن أنس أيضا قال (كنت قائما على الحى أسقيهم - عمومتى وأنا أصغرهم سنا - الفضيخ فقيل حرمت الخمر فقالوا أكفئها فكفأتها) وعن بكر بن عبد الله أن أنس بن مالك حدثهم (أن الخمر حرمت والخمر يومئذ البسر والتمر) غلى آخر ما جاء فى البخارى.
وما أحسن ما نقله الحافظ بن حجر عن القرطبى من قوله (الأحاديث الواردة عن أنس وغيره على صحتها وكثرتها تبطل مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا يكون إلا من العنب وما كان من غيره لا يسمى خمرا ولا يتناول اسم الخمر، وهو قول مخالف للغة العرب وللسنة الصحيحة وللصحابة.
لأنهم لما نزل تحريم الخمر فهموا من الأمر باجتناب الخمر تحريم كل مسكر ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب وما يتخذ من غيره بل سووا بينهما وحرموا كل ما يسكر نوعه ولم بتوقفوا ولا استفصلوا ولم يشكل عليهم شىء من ذلك بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب وهم أهل اللسان وبلغتهم نزل القرآن، فلو كان من غير عصير العنب وهم أهل اللسان وبلغتهم نزل القرآن، فلو كان عندهم فيه تردد لتوقفوا عن الإراقة حتى يستكشفوا ويستفصلوا ويتحققوا التحريم لما كان تقرر عندهم من النهى عن إضاعة المال، فلما لم يفعلوا وبادروا إلى الإتلاف علمنا أنهم فهموا التحريم نصا فصار القائل بالتفريق سالكا غير سبيلهم، ثم انضاف إلى ذلك خطبة عمر بما يوافق ذلك (وهو ممن جعل الله الحق على لسانه وقلبه) وسمعه الصحابة وغيرهم فلم ينقل عن أحد منهم إنكار ذلك.