الجواب
عن السؤال الأول إن كلمتى الروح والنفس ترددتا فى آيات كثيرة فى القرآن الكريم وكثر ورود الكملة الأخيرة منفردة ومجموعة قرابة الثلاثمائة مرة أو تزيد.
وقد اختلف العلماء فى الروح والنفس.
هل هما شىء واحد أو هما شيئان متغايران فقال فريق أنهما يطلقان على شىء واحد، وقد صح فى الاخبار إطلاق كل منهما على الأخرى، من هذا ما أخرجه البزار بسند صحيح عن ابى هريرة (ان المؤمن ينزل به الموت، ويعاين ما يعاين، يود لو خرجت نفسه والله تعالى يحب لقاءه، وان المؤمن تصعد روحه إلى السماء فتأتيه أرواح المؤمنةين فيستخبرونه عن معارفه من أهل الدنيا) .
فهذا الحديث يؤيد إطلاق الروح على النفس، والنفس على الروح وقال القريق الآخر إنهما شيئان، فالروح ما به الحياة، والنفس هذا الجسد مع الروح، فللنفس يدان وعينان ورجلان ورأس يديرها، وهى تلتذ، وتفرح وتتألم وتحزن.
فالروح جسم نوارانى علوى حى يسرى فى الجسد المحسوس بإذن الله وأمره سريان الماء فى الورد، لا يقبل التحلل، ولا التبدل ولا التمزق ولا التفرق، يعطى للجسم المحسوس الحياة وتوابعها ويترقى الانسان باعتباره نفساب النواميس التى سنها الله وأمر بها فهو حين يولد يكون كباقى جنسه الحيوانى، لا يعرف إلا الأكل والشرب، ثم تظهر له باقى الصفات النفسية من الشهوة والغضب، والمرض والحسد والحلم والشجاعة، فإذا غلبت عليه إنابته إلى الله وإخلاصه فى العبادة تغلبت روحه على نفسه فأحب الله وامتثل أوامره وابتعد عما نهى عنه، وإذا تغلبت نفسه على روحه كانت شقوته.
وقد جاءت الروح فى القرآن الكريم وفى السنة بمعان، فهى تارة الوحى كما فى قوله تعالى ﴿يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده﴾ غافر 15، ويسمى القرآن روا باعتباره أحيا الناس من الكفر الشبيه بالموت، وأطلق الروح على جبريل {نزل به الروح الأمين.
على قلبك لتكون من المنذرين} الشعراء 193، 194، وقوله ﴿وأيدناه بروح القدس﴾ البقرة 253، وفى الحديث الشريف (تحابوا بذكر الله وروحه) قيل المراد بالروح هنا أمر النبوة أو القرآن، وهو المعنى عند أكثر العلماء فى قوله تعالى ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا﴾ الشورى 52، ولكن الروح المسئول عنها هى ما سأل عنها اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابهم الله فى القرآن بقوله سبحانه ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ الإسراء 85، فهذه الروح التى يحيا بها الإنسان، قد استأثر الله فى علمه بكنهها وحقيقتها، لم يخبر بذلك أحدا من خلقه، ولم يعط علمه بالعباد، وهى التى نفخها فى آدم وفى بنيه من بعده، وهى من خلق الله سر أودعه فى المخلوقات، وكلمة النفس تجرى على لسان العرب فى معان فيقولون خرجت نفسه أى روجه، وفى نفس فلان أن يفعل كذا أى فى روعه وفكره.
كما يقولون قتل فلان نفسه أو أهلك نفسه أى أوقع الإهلاك بذاته كلها وحقيقته، فمعنى النفس فى هذا جملة الإنسان وحقيقته.
كما فى قوله تعالى ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ النساء 29، وتطلب كلمة النفس على الدم فيقال سالت نفسه، ذلك لأن النفس تخريج بخروجه وقد أطلق القرآن هذه الكملة على الله فى قوله ﴿تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك﴾ والمعنى والله أعلم - تعلم ما عندى ولا أعلم ما عندك أو كما قال ابن الأنبارى ان النفس فى هذه الآية الغيب، ويؤكده ما انتهت به الآية ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾ المائدة 116، أى تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم.
فلفظ الروح والنفس من الألفاظ التى تؤدى أكثر من معنى يحددها السباق والسياق واللحاق، وهما فى الواقع متغايرتان فى الدلالة حسبما تقدم وإن حلت إحداهما محل الأخرى فى كثير من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، ولكن على سبيل المجار لا الحقيقة.