وحديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، ومنهم رجل تعلم العلم وقرأ القرآن من أجل أن يقال إنه عالم وقارئ، وقد استوفى بذلك ما أراد فى الدنيا ولم يعد له ثواب عند الله، فيؤمر به ويسحب على وجهه ويلقى فى النار رواه مسلم وغيره، وينظبق عليهم قول الله تعالى ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم فى الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون﴾ هود:
15، 16،. أما أجر الدنيا على تعليم القرآن والوعظ به، فينظر فيه، فإن كان واجبا على القائم به لحاجة المتعلم إليه لمعرفة ما يجب عليه ولا يوجد غير هذا المعلم فأختار ألا يستحق عليه أجرا وألا يساوم على هنا الأجر، لأن الواجب الدينى ثوابه وأجره عند الله فقط، والتقصير فيه يستوجب العقوبة، أما إن كان التعليم غير واجب فلا مانع من أخذ الأجر عليه، لأنه أمر اختيارى لا عقوبة فى التقصير فيه. وفى كلتا الحالتين - وجوب التعليم وعدم وجوبه - لو أعطيت للمعلم هدية غير مشروطة وغير مساوم عليها فلا مانع من قبولها، بل يسن قبولها كأية هدية أخرى وكذلك لو خصص بيت المال أو جهة ما مبلغا من المال يدفع للقائمين بذلك تشجيعا لهم على التفرغ لهذا العمل وعدم انشغالهم عنه بواجب كسب عيشهم بزراعة أو تجارة مثلا، وعملهم هذا جهاد فى سبيل الله بمعناه الواسع غير القاصر على حمل السلاح لمواجهة العدو. وقد ورد فى ذلك حديث أبى بن كعب قال: علمت رجلا القرآن فأهدى لى قوسا، فذكرت ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فقال " إن أخذتها أخذت قوسا من نار " فرددتها. رواه ابن ماجه، ورواه غيره بألفاظ أخرى جاء فيها أنه كان يأكل أيضا من طعام من علمه، وأن الرسول أجازه إن كان طعاما عاديا لأهل هذا الرجل وليس خاصا به. وفى هذا الحديث كلام يضعف الاحتجاج به، وبخاصة على الحرمة، وتوضيح ذلك يرجع، إليه فى نيل الأوطار للشوكانى " ج 5 ص 303".
ويستدل على جواز أخذ مقابل لتعليم القرآن فى حالة عدم وجوبه بما أخرجه البخارى ومسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم أجاز أن يكون الصداق فى الزواج تعليم الزوجة شيئا من القرآن. يقول الشوكانى بعد ذكر أحاديث النهى عن الأكل بالقرآن والسؤال به وعن أخذ القوس وتناول الطعام عند صاحبه: إنه قد استدل بها من قال: لا تحل الأجرة على تعليم القرآن وهو أحمد بن حنبل وأصحابه وأبو حنيفة والهادوية، وظاهره عدم الفرق بين أخذها على تعليم من كان صغيرا أو كبيرا، وقالت الهادوية: إنما يحرم أخذها على تعليم الكبير، لأجل وجوب تعليمه القدر الواجب وهو غير متعين، ولا يحرم على تعليم الصغير لعدم الوجوب عليه. وقال: وذهب الجمهور إلى أنها تحل الأجرة على تعليم القرآن، وأجابوا كل عن أحاديث المنع بأجوبة منها -إلى جانب الضعف - أن الرسول علم من أبي بن كعب أنه فعل ذلك خالصا لوجه الله فكره أخذ العوض عليه، وأما من علم القرآن على أنه لله وأن يأخذ من المتعلم ما دفعه إليه بغير سؤال ولا استشراف نفس فلا بأس به، وأن حديث تحريم السؤال به غير أخذ الأجر على تعليمه، وحديث منع الأكل بالقرآن لا يستلزم المنع من قبول ما يدفعه المتعلم بطيب نفس. وحاول الشوكانى رد هذه الأجوبة بأسلوب يدل عل تحمسه لمذهب من حرم أخذ الأجرة، كما حاول الرد على حديث البخارى فى جواز أن يكون تعليم القرآن صداقا فى الزواج وهو أجر، بعدة ردود منها أنه خاص بهذين الزوجين وليس عاما، بناء على حديث سعيد بن منصور الذى جاء فيه " لا يكون لأحد بعدك مهرا ".
هذا، وما دام الجمهور قد أجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وبخاصة إذا كانت بسخاء نفس تشبه الهدية فلا مانع من أخذ هذا المقابل، مع الوصية بعدم الحرص الشديد عليه وإيثار ثواب الله على أجر الدنيا، هذا وقد جاء فى تفسير القرطبى "ج 1 ص 334 " لقوله تعالى ﴿ولا تشتروا باياتى ثمنا قليلا﴾ البقرة: