تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجواب

بين الفقهاء ما يقصدون من لفظ المجهل الذى ناطوا به حكمه سواء كان ناظر وقف أو وصيا أو مودعا، وصرحوا أنه الذى يموت ولم يبين حال ما بيده من المال فإن كان مودعا مثلا كان هو الذى لم يبين حال الوديعة ومقرها وهل هى موجودة أو مفقودة وهل فقدت بإهماله أو بسبب قاهر ونحو ذلك مما يتعلق بها، وشرطوا فى كون غير المبين مجهلا أن لا يكون عالما بأن وارثه يعلم تلك الحال التى وصفنا، فإن كان المودع يعلم أن الوارث يعرف حال المال الذى عنده وصاحب الوديعة يعرف كذلك أن الوارث يعلم ولم يبين بالفظ لم يعد مجهلا لأنه لا داعى إلى البيان فيكون سكوته اعتمادا على علم الوارث وعلم صاحب الوديعة.

فإن كان من بيده المال قد جرى فى تصرفه أيام حياته على طريقة توجب على الوارث بحال المال الذى عنده وصاحب الوديعة أو من يخلف الميت على مال اليتيم أو الوقف يعلم أن تلك الطريقة موجبة لعلم الوارث بما يجرى فى المال من صرف وحفظ أو ضياع فلا ريب أنه لا يسمى مجهلا ولا يجرى عليه حكم المجهل بل يعتبر مبينا بل أشد الناس حرصا على البيان، وقد جرى العرف قديما وحديثا على أن الكتابة على شروطها المعروفة من أفضل أنواع البيان خصوصا الصكوك والوصول والدفاتر، فقد صرح الفقهاء بأن هذه الأنواع من المحررات حجة على صاحب الخط أو الختم فى حياته وبعد موته متى لم تكن شبهة فى نسبتها إليه، وقد عظم الاعتماد على الكتابة وإفادتها العلم فى زماننا هذا حتى كاد يهمل العمل بالقول المجرد عنها إلا فى بعض الشئون، أما فى أعمال الدوائر ومعرفة ما يرد وما يصرف من الأموال فلم يبق طريق للعلم سواها، فإن كان متولى الوقف فى حال حياته يعتمد فى بيان ما يدخل فى يده من مال الوقف وما يصرفه فى وجوهه وما يبقى فى ذمته على الدفاتر والصكوك والوصول فلا شك فى أنه على ثقة من كون الوارث يعلم ذلك كله بالاطلاع على ما يكتبه أو يختمه.

فإذا مات - مات عالما بأن الوارث يعلم ذلك وعالما بأن المستحق ومن يتولى الوقف بعده يعلمان بعلم الوارث به بل ويعلمان أن هذه هى طريق علمهما أنفسهما وما يذكره الفقهاء فى حال المجهل لا ينطبق على من يجرى فى معاملاته على هذه الطريقة، وإلا لم يبق مبين فى هذا الزمان وهل للورثة ما دخل عليهم من مال الأوقاف والأيتام إذ لا يخطر ببال من ضبط الريع وما أنفق منه فى دفتر أن يحصى ما ورد وما صرف وينطق بلفظ وبقى فى ذمتى كذا لاعتماده على أن ذلك كله قد أحصى فى وقته - وسيصل إلى أيدى الوارث ومن يتولى الوقف بعد موته، وهذا من البديهيات التى لم يكن تحتاج إلى البيان لولا خفاء البديهيات على بعض من يزعم أن الشرع الإسلامى ينكر من طرق العلم ما اتفق عليه الناس أجمعون، وبعد ما تبين معنى المجهل والمبين ظهر أن ناظر الوقف فى حادثتنا لا يعد مجهلا وأن ما وجد من الصكوك والوصول والدفاتر يعد حجة عليه، فما ثبت بها أنه ورد من الريع يعتبر واردا داخلا فى يده وما ثبت بها أنه صرف فهو ما خرج من يده وما عدا ذلك فهو الباقى فى يده إلى موته فيؤخذ من التركة لا محالة ثم لو فرض أن الناظر مات مجهلا فى حادثة مثل حادثتنا ولم يكن فيها بيان بالطريقة المتقدمة لم يكن حكمه عدم الضمان بل إن كان الريع مشروطا لمستحقين فغلة الوقف مملوكة لهم وهى فى يده وديعة فيضمنها بلا نزاع وإن كان الواقف قد عين مصارف ولم يصرف الناظر فيها مخالفا شرط الواقف، كما فيما خصص للعمارة والترميم وتكملة الناقص ولم يصرف فى وجوهه فالشأن فيه الضمان كذلك لأنه قد حفظ المال تحت يده وديعة إلى أن يصرف فى وجهه وليس بمأذون أن يصرفه فى غير وجهه أما ما ذكروه فى مسألة الناظر على مسجد وأنه لا يضمن لو مات مجهلا فمرادهم من يكون ناظرا على صرف ما تقوم به الشعائر وهو مأذون فيه، فيحتمل أنه صرفه، فلو كان حيا صدق فى أنه صرفه بيمينه ولو مات مجهلا لا يضمن لاعتباره كأنه صرفه، أما من يخالف شرط الواقف كما فى حادثتنا فلا يقبل منه قول فيما صرفه إلا ببيان.

فتاوى دار الإفتاء المصرية · الجزء ٥ · الصفحة ٤١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتاوى دار الإفتاء المصريةج ٥ · ص ٤١٣