3- أما أصحاب الأصوات الحسنة الذين يقصدون من قراءتهم إدخال السرور على السامعين، سواء كانت المناسبة أفراحا وأعيادا أم عزاء مثلا، مع التزام كل الآداب المطلوبة من القراء والسامعين، إن كانت هناك مساومة على الأجر يمكن أن ينطبق عليه حديث النهى عن الأكل والتسول به، وعن الاستكثار والتفاخر بالصوت الجميل، لأن العمل ليس تعليما للقرآن ولا تعليما للدين به، بل مجرد قراءة لا يقصد بها وجه الله عند بعضهم، فهى قربة كالصلاة لا تطلب بها الدنيا ماديا ولا أدبيا، أما إذا لم تكن مساومة وأعطيت كهدية فلا مانع من قبولها، وقد يثاب دافعها إن قصد بها تكريم القرآن وحامله إن كان غنيا، أو مساعدته إن كان محتاجا للمساعدة. وإن قصد بقراءة القرآن علاج مريض، كالرقى التى أجازها النبى صلى الله عليه وسلم، فلا مانع من اشتراط الأجر وقبوله. وقد جاء النص على هذه الحالة فى حديث رواه البخارى عن ابن عباس أن نفرا من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم مروا بماء فيهم لديغ أو سليم، فعرض لهم رجل من أهل الماء فقال: هل فيكم من راق فإن فى الماء رجلا لديغا أو سليما؟ فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شياه - أى في مقابل شياه - فجاء بالشاه إلى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرا؟ حتى قدموا المدينة فقالوا: يا رسول الله أخذ على كتاب الله أجرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله " وجاء فى رواية اخرى أن الراقى طلب أجرا لأن القوم أبوا أن يضيفوهم وكانوا فى حاجة إلى الضيافة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه " قد أصبتم، اقتسموا واضربوا لى معكم سهما، وضحك، وذلك مبالغة فى تأنيسهم، واللديغ يطلق عليه أيضا السليم من باب التفاؤل، وحاول المانعون من أخذ الأجرة الرد على هذا الحديث بأنه منسوخ، لكن النسخ لا يثبت بمجرد الاحتمال، بل لابد له من دليل، كما ردوا بأن الأجر فيه هو على الرقية لا على التلاوة والتعليم، أما الأجر على التعليم فهو ممنوع. ولا يخفى ما فى هذا من تعسف لا داعى له، فكل منفعة تقدم للغير يجوز أخذ مقابل لها ما دامت مشروعة وغير تمتعينه أما أتمتعينه كالزكاة فليس لها مقابل مادى ممن أخذها، لأنها حقه كما قال سبحانه ﴿وفى أموالهم حق للسائل والمحروم﴾ الذاريات: 19،. هذا هو خلاصة ما أخذته من الأحاديث الواردة فى أخذ الأجر على القرآن، تلاوة أو تعليما أو إفادة بطريق مشروع، وقد رأينا خلاف الفقهاء فى جواز الأخذ ومنعه، وما دام الأمر خلافيا فلا يجوز التعصب لرأى، مع التوصية بالمحافظة على جلال القرآن والاهتمام بثواب الله سبحانه. ويعجبنى ما ختم به صاحب " منتقى الأخبار " الذى شرحه الشوكانى، الأحاديث الواردة فى الموضوع، وهو يميل إلى المنع، فقال بعد ذكر حديث رقية الرجل اللديغ، وقد صح أن النبى صلى الله عليه وسلم زوج امرأة رجلا على أن يعلمها سورا من القرآن. ومن ذهب إلى الرخصة لهذه الأحاديث حمل حديث أبى وعبادة - المانعين - على أن التعليم كان قد تعين عليهما، وحمل فيما سواهما من الأمر والنهى على الندب والكراهة، يعنى على عدم الوجوب والحرمة. هذا، وأما قراءة القرآن من أجل نفع الميت بها، ففيها خلاف للعلماء بين المنع من استفادته بها بناء على أنها عبادة بدنية لا تقبل النيابة، وبين الجواز بناء على رجاء رحمة الله وما ورد من بعض النصوص، ومن تتبع أقوال الكثيرين يمكن استنتاج ما يلى:
فتاوى دار الإفتاء المصرية · الجزء ٧ · الصفحة ٧١٣
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
فتاوى دار الإفتاء المصريةج ٧ · ص ٧١٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي