ولكن لا يلزم من عدم قولهما بذلك بفرض تسليم عدم القول بصحتها من مجتهد آخر لجواز أن يوجد مجتهد توفرت فيه شروط الاجتهاد يقول بعدم نقض المس وبالاكتفاء بمسح البعض كأبى حنيفة مثلا.
فلا تلفيق بين مذهبين، وإنما قلد المقلد مجتهدا آخر يقول بصحة هذه الصلاة المركبة من مذهبى مالك والشافعى، فدعوى بطلان التلفيق مطلقا بالاجماع غير مسلم.
وإنما يبطل التلفيق إذا كان العمل الملفق باطلا باجماع المذاهب وهذا غير موجود فى الصور التى يصور بها التلفيق، وأما عدم قول اثنين من المجتهدين بصحتها فلا يقتضى الإجماع على بطلانها حتى يقال إن التلفيق مطلقا باطل بالإجماع على أنك قد علمت أن القول بأن كلا من المجتهدين يقول ببطلانها غير مسلم، فإن مالكا مثلا يقول إنما أقول ببطلان الصلاة إذا مسح بعض الرأس فقط إذا لم يقلد الشافعى أو أبا حنيفة وأما إذا قلد واحدا منهما فى ذلك فإنى أقول بصحتها بناء على قولى بصحة التقليد، وكذلك الشافعى أيضا يقول إنما أقول بعدم صحة الصلاة مع اللمس إذا لم يقلد غير فيها وأما إذا قلد غيرى ففيها فانى لا أقول ببطاتها على مذهب ذلك الغير.
وبالجملة كما يجوز أن يوجد مجتهد يرى باجتهاده الاكتفاء بسمح البعض ولو قليلا ويرى عدم نقض الوضوء باللمس، يجوز أيضا للمقلد أن يقلد الشافعى فى مسح بعض الرأس ولو قليلا ولا يقلده فيما عدا ذلك من الشروط ويقلد مالكا فى عدم نقض الوضوء باللمس بلا شهوة فقط ولا يقلده فيما عدا ذلك كما قدمناه مفصلا عن السيد عبد العظيم المكى.
وقال فى مسلم الثبوت وشرحه فواتح الرحموت فى مبحث الإجماع بصحيفة 235 جزء ثان.
إذا اختلف ولم يتجاوز أهل العصر عن قولين فى مسألة لم يجز إحداث قول ثالث عند الأكثر، وجاز الإحداث عند طائفة مطلقا ومختار الآمدى والرازى إن رفع الثالث ما اتفقا عليه فممنوع إحداثه نحو مقاسمة الجد الصحيح للأخ كما عن أمير المؤمنين على وزيد بن ثابت، وحجبه أى حجب الجد الأخ عن الميراث كما عن خليفة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم أبى بكر الصديق وأمير المؤمنين عمر وابن الزبير عباس فقد اتفق الكل على أن للجد ميراثا وإنما اختلفوا فى القدر، فالحرمان وسلب الميراث عن الجد رأسا خلاف الإجماع فلم يجز إحداثه، وإلا أى وإن لم يرفع ما اتفقا عليه فى المسألة فلا يمنع من الإحداث للثالث كالتفصيل فى الفسخ بالعيوب البرص والجذام والجنون فى أيهما كان والجب والعنة فى الزوج والرتق والقرن فى الزوجة فقيل لا توجب الفسخ أصلا، وقيل نعم توجب الفسخ فى الكل.
فالتفصيل لم يقل به أحد ولكن لا يرفع شيئا مما اتفقوا عليه بل فى البعض بقول البعض وفى الآخر بقول الآخر، فيجوز إحداثه، وفى التيسير عن بعض الشروح أن الأقوال الثلاثة مشهورة عن الصحابة.
مع حذف وزيادة للايضاح به، وفيهما من مسألة لا يرجع المقلد عما عمل به قال بصحيفة (406) من الجزء المذكور ويستخرج منه أى مما ذكر أنه لا يجب الاستمرار على مذهب جواز اتباعه رخص المذاهب ولا يمنع منه مانع شرعى، إذ للانسان أن يسلك الأخف عليه إذا له إليه سبيل بأن لم يظهر من الشرع المنع وبأن لم يكن المختار كما قدمه وكان عليه وعلى آله وأصحابه والسلام يحب ما خف عليهم.
وما لابن عبد البر أنه لا يجوز للعامى تتبع الرخص، فأجيب عنه بمنع هذا الإجماع إذ فى تفسيق الرخص عن الإمام أحمد روايتان ولعل رواية التفسيق إنما هى فيما إذا قصد التلهى فقط لا غير.
وما أورد أنه يلزم على تقدير جواز الأخذ بكل مذهب احتمال الوقوع فى خلاف المجمع عليه إذ ربما يكون المجوع عمل به مما لم يقل به أحد فيكون باطلا.
كمن تزوج بلا صداق اتباعا لقول الإمامين أبى حنيفة والشافعى رحمهما الله تعالى وبلا شهود اتباعا لقول الإمام ملك وبلا ولى على قول إمامنا أبى حنيفة فهذا باطل اتفاقا.