ولقد تصدى أولئك الأعلام من فقهاء الصحابة ومن بعدهم ممن حملوا عنهم هذا الدين، تصدى كل هؤلاء لافتاء الناس وأعلامهم بهذا الشرع القيم.
واذا كان الإسلام دين الله الخاتم إلى بنى الانسان فقد جاء شاملا بقواعده واصوله وتفصيلاته، وافيا موفيا بحاجة البشرة فى نظم حياتهم وتعاملهم.
وكان من العقود التى تعامل بها أهل الإسلام نظام الوقف، واختلف فى شأنه فقهاؤهم اختلافا بينا واتسع مداه فيما عدا وقف المسجد الذى اتفقوا على أنه صحيح نافذ لازم متى توافرت شروطه، وأن اختلفوا فى بعض هذه الشروط.
وكان هذا الاختلاف من الفقهاء فى شأن الوقف على غير المسجد لأن الفقه الإسلامى كان قد نضج وأكتمل، وأرسيت قواعده وأصوله، قبل انتشار نظام الأوقاف وذيوع مشكلاته فى العالم الإسلامى.
ولقد تصدى الفقهاء للافتاء فى مشاكله، باعتبار أن أحكام الوقف كلها اجتهادية كما أن هذه الأحكام تتغير بتغير العرف والزمان، ومن ثم كانت الفتوى والقضاء بما هو أنفع للوقف ومستحقيه إلى غير هذا من القواعد التى اصلها الفقهاء فتكونت مجموعة فقهية للوقف تتسم بالمرونة والصلاحية مسايرة للازمان والاحوال، ومجاراة للنافع والاصلح.
ولقد ظل الافتاء فى الوقف والقضاء فى منازعاته زمنا مديدا غير محصور فى مذهب امام معين، سواء فى عصور القضاة والفتيين المجتهدين، أو فى أزمان من جاءوا بعدهم من المقلدين المتبعين، حتى كان حكم محمد على باشا لمصر فاوجب أن تكون الفتوى والقضاء فى هذهذ البلاد طبقا لمذهب الامام أبى حنيفة فى كل الأمور التى تعرض للفتيا أو على القضاء.
وكان مما يعرض على المفتين فى مصر فى الحقبة التى توالى نشرها تحت عنوان (الفتاوى الإسلامية عن دار الافتاء المصرية) موضوعات تتعلق بالاوقاف، تصدى المفتون لها فجعلوا غامضها، وخرجوا أحكامها وردوها إلى أصولها فى الفقه الحنفى فى الفترة التى أنفرد فيها بالاعمال، ثم باعمال القوانين المتعاقبة مع أحكام هذا الفقه فيما جد من واقعات بعد العمل بتلك القوانين.
ولقد قامت صيحات فى أزمان متتالية ضد نظام الاوقاف، غذاها جمود بعض الحكام القضائية، وقعودها دون حل لبعض المشاكل التى تكاثرت وتراكمت فى شأن نظارة الاوقاف، وبعض الشروط التى كان يضعها بعض الواقفين، وفى شأن التصرف فى الاعيان التى تخربت وانعدم ريعها أو قل، وكان ذلك وقوفا عند لفظ قيل (شرط الواقف كنص الشارع) ثم كان الاصلاح التشريعى فى مصر الذى كان من بين ثماره القانون رقم 48 لسنة 1946 باحكام الوقف.
ولم يكن هذا القانون شاملا لأحكام الوقف جميعها، بل اقتصر على اختيار الأحكام التى رؤى ان فى تطبيقها علاجا لمواضع الشكوى التى تكاثرت على مدى حقة من الزمان.
وبصدور هذا القانون والعمل به بدأت فترة حديدة فى التطبيق القضائى فى منازعات الوقف، فقد كانت قبله وحتى تاريخ العمل به محكومة بأرجح الأقوال فى فقه مذهب الامام أبى حنيفة فقط، ومنذ العمل بهذا القانون أصحبت المنازعات فى المسائل المتعلقة بالوقف خاضعة لنوعين من الأحكام أحدهما أحكام هذا القانون، والآخر أرجح الأقوال فى فقه مذهب أبى حنيفة فيما لم ينص عليه فى هذا القانون (48 لسنة 1946) على ما هو مفصل فى أحكامه الختامية.
وسنرى فى فقه فتاوى الوقف التى تبدأ بهذه المقدمة اجتهادات فقهية قيمة سواء فى فترة التطبيق الخالص لفقه الإمام أبى حنيفة أو فى الفترة التى بدأت العمل بالقانون المرقوم بالاضافة إلى الفقه الحنفى فيما لم يرد فيه نص فى القانون.
وسرنى أيضا من سير الفتاوى بعد ما تعاقب من قوانين بدأت بالقانون رقم 180 لسنة 1952 م بالغاء الوقف على غير الخيرات أن هذه المرحلة التى أعقبت هذا القانون وتوابعه أدت إلى انهاء وجه من أوجه التعاون على البر، والتحصين للثروات العقارية، وما اعتور سبل البر من فتور ضنا بالأموال عن التبديد والضياع، فقد انكمشت هذه السبل أو توقفت، فلم نعد نسمع أن أحدا قد أوقف وقوفا على المساجد أو المستشفيات، أو الملاجىء، أو المدارس أو تحفيظ القرآن كما كان متداولا فى أغراض الواقفين فى الأزمان الخالية، بل لقد تبددت وقوف كثيرة وكبيرة كانت مدادا وسندا للدعوة الإسلامية، وفيها ومنها كان العون لطلاب العلم وللعلماء فى الأزهر ومعاهده.