(كتاب الفرق بين الفرق للبغدادى سنة 429 ص 193) وهى فى ذات الوقت أفكار استشراقية، روجها المستشرقون وأتباعهم فى مصر وغيرها من بلاد المسلمين، محرفين الكلم عن مواضعه، مطلقين على بعض آيات القرآن عناوين لا تحملها ولا تصلح لها، متأولين هذه الآيات، بما يطابق أغراضهم وأهواءهم، ابتغاء فتنة فى الدين يثيرونها بين الناس حتى تلتبس عليهم الأمور، فهم كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر، فلما كفر قال إنى برىء منك.
هؤلاء الخوارج - فى تاريخهم القديم وما أشبه الليلة بالبارحة - لما طلبوا من عبد الله بن الزبير حين أرادوا الانضمام إليه فى قتاله مع الأمويين بعد أن أكفروا على بن أبى طالب والزبير وطلحة، لما طلبوا منه البراءة من هؤلاء رد عليهم بقوله إن الله أمر - وله العزة والقدرة - فى مخاطبته أكفر الكافرين وأعتى العاتين بأرق من هذا القول، فقال لموسى وأخيه صلى الله عليهما {اذهبا إلى فرعون إنه طغى.
فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} طه 43، 44، فهم الآن يذيعون هذه الأفكار التى انطمست (كتاب العقد الفريد ج - 2 ص 394) ، ولم تبق إلا فى بطون الكتب يقرؤها الدارسون لتاريخ الفرق.
هذا ولا ينبغى أن يطلق على هؤلاء الذين اتخذوا هذا الكتيب منهجا وصف الجماعة الإسلامية، أو المتطرفين فى الدين أو المتعصبين له، لأن الدين لا ينحرف، وإنما ينحرف عنه، ومن تطرف فى الدين فقد انحرف عنه، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لأولئك النفر من أصحابه الذين ذهبوا إلى بيوته يسألون عن عبادته، فلما أخبروا بها عدوها قليلة، وقال أحدهم مالنا وله، لقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأما أنا فإنى أصول ولا أفطر.
وقال آخر وأنا أقوم الليل ولا أنام وقال ثالث وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج، فلما قابلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم أأنتم الذين قلتم البارحة كذا وكذا قالوا نعم، فقال لهم أما أنا فأقوم وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى) .
هؤلاء لم ينحرفوا عن الدين، فلم يتركوا العبادة ولكنهم تغالوا فيها فردهم الرسول إلى الصواب، إلى العمل الوسط، الذى يستديمون به طاعة ربهم، والقيام بفرائضه، يحلون الحلال ويحرمون الحرام.
عاشرا هل الجهاد فريضة غائبة إن الجهاد ماض إلى يوم القيامة والجهاد قد يكون قتالا، وقد يكون مجاهدة للنفس والشيطان.
وإذا أمعنا النظر البصير فى آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم فى شأن الجهاد بالقتال نجد أوامرهما فى هذا موجهة إلى قتال الكفار الذين تربصوا بالإسلام ونبى الإسلام، وأرادوا إطفاء نور دعوته والقضاء عليه، ولم يكن قتالا لنشر هذه الدعوة وإكراه الناس على الدخول فيها قسرا وجبرا - كما سلف -.
ولذلك لا نجد فى القرآن ولا فى السنة الأمر بالقتال موجها ضد المسملين أو ضد المواطنين من غير المسلمين، إذ قد سمى الإسلام هؤلاء أهل الذمة، لهم مالنا وعليهم ما علينا من حقوق وواجبات، وأمر المسلمين بترك أهل الكتاب وما يدينون، فيما بخص العقيدة والعبادة.
فإذا حدث ما يستدعى القتال دفاعا عن الدين والبلاد، فذلك ما يدعو إليه الإسلام ويحرص عليه، ويقوم به الجيش الذى استعد وأعد وأنيطت به هذه المهام، وهذا هو الجهاد قتالا ويكون الجهاد بمجاهدة النفس والشيطان، وهذا هو نوع الجهاد المستمر الذى ينبغى على كل إنسان، وعلى المسلم بوجه الخصوص أن يجاهد نفسه حتى يصلح من أمرها، وتنطبع على الخير والبر والأمانة والوفاء بالعهد، ومغالبة الشيطان والشر، سعيا إلى طاعة الله ومرضاته، وأداء فرائضه، والانتهاء عما نهى الله ورسوله عنه.
ولا يكون الجهاد بإكفار المسلمين، أو بالخروج على الجماعة والنظام الذى ارتضته فى نطاق أحكام الإسلام.