وقد اختلف أهل العلم فى الروح.
هل تموت أو لا تموت فذهبت طائفة إلى أنها تموت لقول الله سبحانه ﴿كل شىء هالك إلا وجهه﴾ القصص 88، وقالت طائفة أخرى إنها لا تموت للأحاديث الدالة على نعيمها وعذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله تعالى إلى الجسد.
قال القاضى محمود الألوسى فى تفسيره (ج - 15 فى تفسير سورة ص 195 دار الطباعة المنيرية) والصواب أن يقال موت الروح هو مفارقتها للسجد، فان أريد بموتها هذا القدر فهى ذائقة الموت، وإن أريد أنها تنعدم وتضمحل فهى لا تموت، بل تبقى مفارقة ما شاء الله تعالى ثم إلى الجسد وتبقى معه فى نعيم أو عذاب أبد الآبدين وهى مستثناة ممن يصعق عند النفخ فى الصور على أن الصعق لا يلزم منه الموت، والهلاك ليس مختصا بالعدم، بل يتحقق بخروج - الشىء عن حد الانتفاع به ونحو ذلك.
عن السؤال الثانى تقدم اختيار تغاير النفس والروح، بمعنى ما يصدق عليه كل من هذين اللفظين إذ النفس هى مجموع الجسد والروح، أما هذه فذاتية نورانية يقذفها الله من فضله فى الإنسان عند خلقه إياه.
ومتى فارقت الروح البدن بموته كان مستقرها مختلفا، فارواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فى أعلى عليين، فقد صح أن آخر ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اللهم الرفيق الأعلى) ومستقر أرواح الشهداء فى الجنة وأرواح أطفال المؤمنين ما هو قريب من ذلك وأرواح غير المسلمين وغير المؤمنين فى سجين وفى كل هذا تروى أخبار وآثار تطالع فى محلها من كتب الحديث.
وإذا كان هذا المعنى، هو المردد فى المنقول، والثواب والعقاب أمر غيبى مفوض إلى الله سبحانه.
وإذا كانت الروح بعد افتراقها عن الجسد هى التى تذهب إلى الجنة أو إلى سجين، كما جاءت الاخبار، كان العذاب للروح، حتى يبعث الناس يوم القيامة، فيكون الثواب والعقاب للنفس التى هى الانسان - أى الجسد والروح معا.
اقرأ إن شئت قول الله تعالى ﴿ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ آل عمران 25،.
وقوله تعالى ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا﴾ آل عمران 30، وقوله تعالى ﴿يوم يأتى لا تكلم نفس إلا بإذنه﴾ هود 105، وقوله تعالى ﴿وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون﴾ النحل 111، وقوله تعالى ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ المدثر 38، وقوله تعالى {يا أيتها النفس المطمئنة.
ارجعى إلى ربك راضية مرضية} الفجر 27، 28، فهذه الآيات وأمثالها مما جاء فى القرآن الكريم وما جاء فى السنة على هذا النسق كل أولئك يدل على أن العذاب للنفس إنما يكون بعد البعث من القبور والنشور يوم القيامة.
أما عذاب الروح وحدها فبعد مفارتقها للجسد بالموت، وبعد السؤال فى القبر تكون فى عليين أو فى سجين، وهذا لا ينافى عذاب القبر للروح والجسد لمن استحقه كما جاء ذكره فى الأحاديث الشريفة ومنها ما رواه ابن عباس رضى الله عنه (البخارى ج - 1 ص 224) (مر النبى صلى الله عليه وسلم على قبرين فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان فى كبير ثم قال بلى أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله) وهذا ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة خلافا لابن حزم، وابن هبيرة.
هذا وما استأثر الله بعلمه لا ينبغى الاشتغال به، فلا تذهبن إلى ما نقل عن الفلاسفة قديما وحديثا، فإنهم انطلقوا إلى ما لا يعرفون، فتاهوا ولا يزالون.
واقرأ دائما قول الله سبحانه ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ الإسراء 85، وابتعد فى عظاتك للناس عن المتشابهات حتى لا تزيغ عن الجادة وتنحاو عن الطريق المستقيم.
واقرأ قول الله سبحانه وتوجيهه ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ الإسراء 36، فقد قال القاضى ابن العربى قول الناس هل الحوض قبل الميزان والصراط أو الميزان قبلهما أم الحوض، فهذا هو ما لا سبيل إلى علمه، لأن هذا أمر لا يدرك ينظر العقل ولا ينظر السمع وليس فيه خبر صحيح.