تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالمصحف الذى وجدته والذى لا يمكن أن يكون مثلك بعيدا عنه هو المعجزة التى يكفيك أن تقرأه تمعن النظر فيه، لتعرف الأسس التى تضمنها، والتى لو عمل بها الفرد وعملت بها الأمة لتحقق الفرد الصالح والأمة الصالحة، ولما صار الشرق كما تراه الآن بعيوبه وبضعفه، فإن الإسلام لا يعرف الضعف والضعفاء، ولا يعرف السعادة التى يحققها حجاب أو دعاء، كما تريد أن تلمز به الإسلام بحملك الحجاب مع المصحف - فلا يوجد فى الشريعة الإسلامية حجاب يمنع الفقر أو يجلب السعادة، وإنما يوجد عمل دائب مستمر لتحقيق معنى السعادة الحقيقية - السعادة المؤسسة على قوة المادة وقوة الروح معا، ولعلك لو تحدثت عن الشرق وقد استحال أمره إلى أن يكون له جيوش ومصانع وطيارات وغير ذلك مما يوجد فى الغرب، والذى لا يحول الإسلام بينه وبين أن يبلغه لما كان حديثك عن الإسلام هذا الحديث المتأثر بحالة الشرق الآن تأثر دعا إلى أن تمجد المادة التى وصل إليها الغربيون والتى لم يصل إليها الشرق بعد.

لا لأن الدين قد حال بينه وبين بلوغه، ولكن الاستعمار الذى رزح على صدر الشرق والشرقيين فى القرون الأخيرة هو السبب الأكبر فى ذلك كله.

ثم يتابع بعد أفكاره لله فى صورته الحقيقية إنكار الحياة الثانية التى اتفقت عليها الأديان السماوية كلها، والتى يدعو إليها العقل والعدل فليس من العدل أن يتحارب الناس بعضهم مع بعض، وأن يغلب قويهم ضعيفهم، ويظلم بعضهم البعض من غير أن يكون هناك حياة ثانية يأخذ فيها الله سبحانه وتعالى بيد المظلوم من الظالم.

ومن ذلك قوله عن الحياة الآخرة صفحة رقم 2662 بعبارة فيها سخرية فى ص 119 وما بعدها (فلا محل لافتراض بقاء آخر روحانى لهذا الترابط المادى البحت وإنها لنهاية طبيعية إذن أن يبعث الإنسان حيا بعد الموت هو والدود التى فى بطنه والقملة التى فى رأسه فهكذا تعنى روحية الأديان.

وقوله إن دعوى الخلود الشخصى لا يسندها العلم ولم تعد تسندها الضرورات الاجتماعية القديمة) فإن هذه الدعوى العريضة التى يدعيها الكاتب فى كتابه ويقول عنها إن دعوى الخلود الشخصى لا يسندها العلم.

لم يقل لنا إسم العلم الذى ينكر الحياة الآخرة اللهم إلا أن يكون قولا لبعض العلماء المتطرفين الذين يدعون إلى الوجودية والذين مجدهم الكتاب فى أثناء كتابته.

أما العلماء الذين بحثوا فى أصل الإنسان وعرفوا عظمة الله وقدرته فيما كشفوه عن بعض آثارها فى الأرض أو السماء فما أظن أنهم ينكرون الحياة الثانية - أو ينكرون وجود الله وقدرته وعظمته - ثم يعود الكاتب مرة أخرى إلى إنكار الله فى تعبيرات ضعيفة لا يسندها منطق ولا دليل ولا شبه دليه.

كقوله فى ص 131 (إن الله ليس فوق الجدل، وليس فوق العقل، وليس فوق الواقع.

إن الله هو العقل وهو الواقع وهو مجموع القوى الكونية التى تعمل لخيرنا فى كل وقت، وهى قوى تقبل المراجعة والتفكير والبحث والتطور) ما الذى يريده الكاتب من هذه العبارات هل يريد أن يوحى إلى قارئيه بأن الكون الذى يعيش فيه ويعيش فيه الناس خلق هكذا بدون خالق.

وهل العقل الذى بمجده ويقول إنه هو الله هو الذى أوجد هذه المخلوقات كلها، وإذا كان العقل هو الموجد كما يقول.

فلماذا وجد عند قوم وكان ضعيفا أو معدوما عند آخرين وإذا كان يريد أن يوحى إلى القراء بأن الكون محتاج دائما إلى التفكير والبحث والتطور، فإن هذه الدعوى لا تتطلب بحال من الأحوال إنكار الله سبحانه وتعالى الذى أوجد هذا الخلق، وخلق للإنسان العقل الذى يفكر ويبحث ويتدبر فى كل مخلوقات الله ليصل أولا إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى وبألوهيته وربوبيته وليحقق للناس السعادة.

ولعله قال ما قال ليضفى على نفسه الكاتب المتحرر الذى لا يؤمن بالله ولا يقر بوجوده، ولا بأن لهذا العالم إلها واحدا خلقه ونظمه أبدعه على هذه الصورة التى عجز الإنسان عن فهمها ما فيها من أسرار تدل على عظمة الله وقدرته.

فتاوى دار الإفتاء المصرية · الجزء ٧ · الصفحة ٤٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتاوى دار الإفتاء المصريةج ٧ · ص ٤٨٤