تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن هل أبدى المدعى فى حادثة الدعوى استعداده لتقديم بينة على دعواه غير التى قدمها وطلب إلى القاضى سماع بينته إذا كان قد فعل فقد طلب حقا مشروعا ومقررا لا يجوز حرمانه منه وإن كان قد اقتصر على من استشهد بهم وتمسك فقط بسماع شهادة السيدة التى لم تحضر، وكان القاضى قد رأى - فى تقديره - أن شهادة الرجال الثلاثة غير كافية للإثبات بقطع النظر عن سلامة التقدير أو قابليته للمناقشة فإنه فى هذه الحالة يجوز للقاضى على أساس تقديره أن يقضى برفض الدعوى دون انتظار لسماع شهادة السيدة، لأن شهادتها وحدها لا تكفى لإثبات الدعوى، إذ أن موضوعها ليس مما يقضى فيه بشهادة امرأة واحدة فلا جدوى من سماع شهادتها إذن.

عن النقطة الثانية نص الفقهاء على أن الشهادة إذا كانت بحق من حقوق العباد وجب أن تسبقها دعوى صحيحة شرعا، ووجب لصحتها أن تكون موافقة للدعوى نوعا وكما وكيفا وفعلا وانفعالا ووصفا وملكا ونسبة، فلو ادعى عشرة جنيهات وشهد الشهود عشرين جنيها، أو ادعى سرقة ثوب وشهدوا بغصبه منه، أو ادعى قتل وليه وشهدوا بالضرب، أو ادعى عقارا محدودا بحدود معينة وشهدوا بعقار محدد بحدود أخرى، أو ادعى زواج ابنته فاطمة وشهدوا بزواج أخته زينب لم تكن الشهادة موافقة للدعوى فى جميع هذه الصور.

وبالتالى لا تقبل ولا يحكم بمقتضاها - العناية وتكملة ابن عابدين من باب الدعوى) وليست الموافقة فى اللفظ بين الشهادة والدعوى ضرورية، بل تكفى الموافقة فى المعنى، وليس كل اختلاف بين الشهادة والدعوى يضر ويمنع من قبول الشهادة، فلوا شهدا بأقل مما ادعاه المدعى تقبل ويقضى بما شهدا به من الدعوى وترفض فى الباقى، وليس من عناصر التوافق بين الشهادة والدعوى بيان الشاهد مصدر علمه بما شهد به، لأنه ليس من عناصر الدعوى ووقائعها شئ يتعلق بذلك حتى تلزم موافقة الشهادة فيه.

والقاضى حين يريد التوثق من الشاهد وشهادته والوقوف على مدى معرفته بما يشهد به وتمكنه منه يسأله عن الأزمنة والأمكنة والألوان والأوصاف والتفاصيل التى تتعلق بوقائع الدعوى وحوادثها، كما يسأله عن مصدر علمه بما شهد به للتوثيق ومعرفة أنه يشهد عن علم لا عن مجرد الظن أو بالسماع من الغير، لأن الشهادة بالسماع لا تقبل إلا فى مواضع معينة وفى المادة رقم 182 من المرسوم بقانون رقم 78 سنة 1931 بلائحة ترتيب المحاكم الشرعية يسأل القاضى الشاهد عن الأزمنة والأمكنة وغيرها وعن طريق علمه بالمشهود به وكيفية وصوله إليه، وعن مجلس الشهادة وغير ذلك مما تبين به درجة شهادته بدون حاجة إلى التزكية وإذا لم يطلب القاضى إلى الشاهد بيان مصدر علمه بما شهد به، ولم يبين الشاهد ذلك من تلقاء نفسه لا تعتبر شهادته مخالفة للدعوى، ولا يقدح فى سلامة شهادته وصحتها إذا كانت قد سلمت من أوجه النقص الأخرى التى تؤثر فى صحتها شرعا.

وإذا كان إغفال شهود المدعى فى حادثة الدعوى بيان مصدر علمهم بما شهدوا به هو وحده السبب فى رد شهادتهم فإن الأمر لا يبقى راجعا إلى سلطة القاضى فى تقدير الدليل، وإنما يصبح منطويا على مخالفة للقانون لأن ذلك لا يستوجب رد الشهادة شرعا كما ذكرنا - بيد أنه وردت فى الوقائع عبارة - إذا قال الشاهد إن الدار ملك المدعى أو ملك مورثه - وقد يؤخذ من هذه العبارة أن الشاهد ذكر أن طريق ملكية المدعى للعقار المتنازع عليه هو إرثه من مورثه وأشار إلى الوفاة والوراثة، فإن كان ذلك صحيحا فإنه يكون واجبا على الشاهد أن يبين وفاة المورث وورثته وملكيته للعين إلى وقت وفاته وتركها ميراثا لورثته ولو لم يسأله القاضى عن ذلك وإذا لم يبين ذلك ويستوفيه على الوجه الذى ذكره الفقهاء تكون شهادته ناقصة وغير صحيحة ولا يعول عليها.

ولا يعتبر هذا بيانا لمصدر علمه بما شهد به، بل هو من صلب الشهادة وتتمها يجب على الشاهد أن يذكره من تلقاء نفسه - تراجع التبصرة لابن فرحون المالكى جزء أول صفحة 199 وتكملة ابن عابدين فى فقه الحنفية جزء أول صفحة 194 وما بعدها طبع المطبعة الأميرية بمصر 1299 هجرية عن النقطة الثالثة اختلف الفقهاء اختلافا كثيرا فى جواز الاعتماد فى الإثبات على الخط والأوراق والمستندات الكتابية والحكم بالحق على ذلك.

فتاوى دار الإفتاء المصرية · الجزء ٧ · الصفحة ٤٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتاوى دار الإفتاء المصريةج ٧ · ص ٤٤٤