وخالفهم آخرون. ثم اختلفوا فى تخريج الآية على ثلاثة طرق أحدها أن المراد بقوله من غيركم من غير قبيلتكم.
روى ذلك عن الحسن والزهرى - والثانى أن الآية منسوخة وهذا مروى عن زيد بن أسلم وغيره.
والثالث - أن المراد بالشهادة فيها أيمان الوصى بالله تعالى للورثة لا الشهادة المعروفة، وساق ابن القيم المناقشة بين الآخذين بالآية والمؤولين لها احتجاجا وردا.
ثم قال فظهر أن القول بموجب هذه الآية هو الحق الذى لا نعدل عنه نصا وقياسا ومصلحة.
وبالله التوفيق - قال شيخنا رحمه الله (يعنى الإمام المجتهد شيخ الإسلام ابن تيمية وقول الإمام أحمد فى قبول شهادتهم فى هذا الموضع هو ضرورة يقتضى هذا التعليل قبولها فى كل ضرورة حضرا وسفرا وعلى هذا لو قيل يحلفون فى شهادة بعضهم على بعض كما يحلفون فى شهادتهم على المسلمين فى وصية السفر لكان منسوخها - ولو قيل تقبل شهادتهم مع ايمانهم فى كل شئ عدم فيه المسلمون لكان له وجه ويكون بدلا مطلقا - قال الشيخ ويؤيد هذا ما ذكره القاضى وغيره - محتجا به - وهو فى الناسخ والمنسوخ لأبى عبيد أن رجلا من المسلمين خرج فمر بقرية فمرض ومعه رجلان من المسلمين فدفع إليهما ماله ثم قال ادعوا لى من أشهده على ما قبضتماه فلم يجدا أحدا من المسلمين فى تلك القرية، فدعوا أناسا من اليهود والنصارى فأشهدهم على ما دفع إليهما وذكر الوصية، فانطلقوا إلى ابن مسعود فأمر اليهود والنصارى أن يحلفوا بالله لقد ترك من المال كذا وكذا، ولشهادتنا أحق من شهادة هذين المسلمين، ثم أمر أهل المتوفى أن يحلفوا أن شهادة اليهود والنصارى حق فحلفوا.
فأمرهم ابن مسعود أن يأخذوا من المسلمين ما شهد به اليهودى والنصرانى وذلك فى خلافة عثمان رضى الله عنه فهذه شهادة للميت على وصيته، وقد قضى بها ابن مسعود مع يمين الورثة لأنهم المدعون وقد ذكر القاضى هذا فى مسألة دعوى الأسير إسلاما فقال وقد قال الإمام أحمد فى السبى إذا ادعوا نسبا وأقاموا بينة من الكفار قبلت شهادتهم.
نص عليه فى رواية حنبل وصالح وإسحاق بن إبراهيم لأنه قد تتعذر البينة العادلة، ولم يجز ذلك فى رواية عبد الله وأبى طالب قال شيخنا رحمه الله تعالى فعلى هذا كل موضع ضرورة غير المنصوص فيه وفيه روايتان.
لكن التحليف ههنا لم يتعرضوا له، فيمكن أن يقال لأنه إنما يحلف حيث تكون شهادتهم بدلا كما فى مسألة الوصية بخلاف ما إذا كانوا أصولا.
والله أعلم - ويقول الإمام أبو محمد بن حزم الظاهرى إمام أهل الظاهر بالأندلس فى كتابه المحلى (لا يجوز أن يقبل كافر أصلا لا على كافر ولا على مسلم حاشا الوصية فى السفر فقط، فإنه يقبل فى ذلك مسلمان أو كافران من أى دين كانا، أو كافر وكافرتان، أو أربع كوافر، ويحلف الكفار ههنا مع شهادتهم بعد الصلاة لا نشترى به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين - برهان ذلك قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾ الحجرات 6، والكافر فاسق فوجب أن لا تقبل.
وقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم فى الأرض﴾ فوجب أخذ حكم الله كله.
وأن يستثنى الأخص من الأعم ليتوصل بذلك إلى طاعة الجميع) هذا جانب يسير من النصوص التى تزخر بها كتب الفقه والتفسير والحديث تبين آراء العلماء والفقهاء فى شهادة غير المسلمين على المسلمين، وتدل دلالة صريحة وقاطعة على أن كثيرا من الصحابة والتابعين وتابعيهم وفقهاء الأمصار والأئمة المجتهدين يرون جواز هذه الشهادة ويقبلونها فى القضاء ويحكمون بها، وإن كانوا يختلفون بعد ذلك فى النطاق والمسائل التى تقبل فيها هذه الشهادة.
وقد رأينا فيما ذكره الإمام القرطبى أنه لا مانع من اختلاف الحكم عند الضرورة وأنه يجوز أن يكون الكافر ثقة عند المسلم، ويرتضيه عند الضرورة، وهذا يشير إلى أن جواز شهادة غير المسلم على المسلم إنما هو للضرورة وفى حالة قيامها.