تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فذهب أبو موسى الأشعرى ومن ذكرنا من الفقهاء إلى أنه باق وثابت لم ينسخ، وروى عن إبراهيم النخعى أن الآية منسوخة نسختها وأشهدوا ذوى عدل منكم وروى ضمرة ابن جندب وعطية بن قيس قالا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم (المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها) والآية تدل على جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم فى السفر سواء أكان فى الوصية بيع أو إقرار بدين أو وصية بشئ أو هبة أو صدقة، إذ يشمل اسم الوصية ذلك كله إذا عقد فى المرض.

ثم قد روى أن آية الدين من آخر ما نزل من القرآن فهى ناسخة لحكم هذه الآية وهو جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم فى السفر، لأن الخطاب فيها للمؤمنين.

وقد قيل فيها ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾ البقرة 282، والكفار غير مرضيين فى الشهادة على المسلمين، وهى عامة فى السفر وغير السفر وفى الوصية وغيرها، فتكون ناسخة لحكم آية المائدة التى معنا - انتهى بتصرف.

وجاء فى كتاب الطرق الحكمية فلإمام المجتهد أبى عبد الله محمد بن أبى بكر الحنبلى المعروف بابن القيم - (أما المسألة الثانية وهى قبول شهادة الكفار على المسلمين فى السفر فقد دل عليها صريح القرآن وعمل بها الصحابة، وذهب إليها فقهاء الحديث - قال صالح بن أحمد قال أبى لا تجوز شهادة أهل الذمة إلا فى موضع فى السفر الذى قال الله تعالى فيه ﴿أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم فى الأرض﴾ فأجازها أبو موسى الأشعرى، وقد روى عن ابن عباس أو آخران من غيركم من أهل الكتاب وهذا موضع ضرورة، لأنه فى سفر ولا تجد من يشهد من المسلمين، وإنما جاءت فى هذا المعنى.

وقال إسماعيل بن سعيد الشالنجى سألت أحمد فذكر هذا المعنى.

قلت فإن كان ذلك على وصية المسلمين هل تجوز شهادتهم قال نعم إذا كان على الضرورة - قلت أليس يقال هذه الآية منسوخة قال من يقول وأنكر ذلك.

قال وهل يقول ذلك إلا إبراهيم وقال فى رواية ابن عبد الله تجوز شهادة النصرانى واليهودى فى الميراث على ما أجاز أبو موسى فى السفر وأحلفه وقال فى رواية أبى الحارث لا تجوز شهادة اليهودى والنصرانى فى شئ إلا فى الوصية فى السفر إذا لم يوجد غيرهم - قال الله تعالى ﴿أو آخران من غيركم﴾ فلا تجوز شهادتهم إلا فى هذا الموضع، وهذا مذهب قاضى العم والعدل شريح وقول سعيد بن المسيب وحكاه عن ابن عباس وأبى موسى الأشعرى) ثم ساق ابن القيم حديث قبول أبى موسى الأشعرى شهادة النصرانيين من أهل دقوقا على وصية المسلم فى السفر وحكمه بها، وحديث ابن عباس عن تميم الدارى فى سبب نزول الآية موضوع البحث والقول بهذه الآية هو قول جمهور السلف وقالت عائشة رضى الله عنها سورة المائدة آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها حراما فحرموه، وصح عن ابن عباس أنه قال فى هذه الآية.

هذا لمن مات وعنده المسلمون فأمر الله أن يشهد فى وصيته عدلان من المسلمين ثم قال تعالى ﴿أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم فى الأرض﴾ فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين فأمر الله عز وجل أن يشهد على وصيته رجلان من غير المسلمين وقد تقدم أن أبا موسى حكم بذلك، وقال سفيان الثورى عن أبى اسحق البيعى عن عمرو بن شرحبيل - ولم ينسخ من سورة المائدة شئ - وعن سعيد بن المسيب ﴿أو آخران من غيركم﴾ من أهل الكتاب وفى رواية ابن جبير ومجاهد ويحيى وابن سيرين فهؤلاء أئمة المسلمين أبو موسى الأشعرى وابن عباس وروى نحو ذلك عن على رضى الله عنه - ذكر ذلك أبو محمد بن حزم وذكره أبو يعلى عن ابن مسعود ولا مخالف لهم من الصحابة.

ومن التابعين عمرو بن شرحبيل وشريح وعبيدة والنخعى والشعبى والسعيدان وأبو مجلز وابن سيرين ويحيى بن يعمر، ومن تابعى التابعين كسفيان الثورى ويحيى بن حمزة والأوزاعى، وبعد هؤلاء كأبى عبيد وأحمد بن حنبل وجمهور فقهاء أهل الحديث، وهو قول جميع أهل الظاهر.

فتاوى دار الإفتاء المصرية · الجزء ٧ · الصفحة ٤٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتاوى دار الإفتاء المصريةج ٧ · ص ٤٣٨