تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم جرى الخلاف أيضا فى أبدية الوقف أو عدمها فمنهم من قال إن الوقف لا يكون إلا مؤبدا، ومنهم من أجازه مؤبدا ومؤقتا.

كما وقع الاختلاف فى ملكية الموقوف، وهل يخرج بالوقف عن ملك الواقف لا إلى مالك، أو يبقى فى ملكه، أو يخرج إلى ملك الموقوف عليه وإن كان جهة عامة.

ولقد ترتب على هذا الاختلاف أن تنوعت تعاريف الفقهاء للوقف فراعى كل منهم حقيقة الوقف وخصائصه التى انتهى إليها اجتهاده.

وفى تأبيد الوقف وتأقيته كانت أقوال الفقهاء متنوعة حيث ذهب الإمامان أبو حنيفة ومحمد بن الحسن رحمهما الله تعالى إلى أن التأبيد من شروط صحة الوقف وأن توقيته مبطل له، وأن التأبيد قد يكون صراحة فى القعد، أو يجعل مآل الاستحقاق فيه أخيرا إلى جهة بر لا تنقطع غالبا كالمساكين ومصالح المساجد.

ونقل عن الإمام أبى يوسف رحمه الله تعالى قولان أحدهما أنه لا يشترط التأبيد لصحة الوقف، وأنه بعد انقطاع الجهة الموقوف عليها يرجع ألوقف إلى ملك الواقف أو لورثته، جاء هذا القول فى أوائل كتاب الوقف فى المبسوط للسرخسى ج - 12، وجاء فى أجناس الناطفى فروع دالة على هذا القول وقال الناطفى إن عليه الفتوى، وفى فتح القدير وإذا عرف عن أبى يوسف جواز عوده إلى الورثة فقد يقول فى وقف عشرين سنة بالجواز، لأنه لا فرق أصلا.

أما القول الآخر عن أبى يوسف فهو أنا التأبيد شرط لصحة الوقف، لكنه لا يشترط النص عليه ولا جعله لجهة لا تنقطع، لأن لفظ الوقف والصدقة منبىء عن التأبيد.

أما وقف المساجد فلا بد فيه من التأبيد لأن التوقيت ينافيه، ولأن المسجدية جهة لا تنقطع، فمتى وجد من الواقف ما يدل عليهما حصل التأبيد.

(فتح القدير للكمال بن الهمام على شرح الهداية ج - 5 ص 64 وما بعدها والإسعاف ص 71 وما بعدها) .

وذهب الفقه المالكى إلى أن التأبيد فى الوقف ليس شرطا لصحته فيصح مؤبدا، ومؤقتا، إذا لم يتأبد الوقف رجع بعد انقطاع جهته ملكا لمالكه أو لورثته، وإذا تأبد لا يباع ولا يوهب ولا يورث.

(حاشية الدسوقى على الشرح الكبير ج - 4 ص 100 إلى ص 105 طبع دار الطباعة سنة 1287 هجرية) .

ولفقهاء المالكية تفصيلات فيمن يستحق الوقف المؤبد بعد انقطاع مصرفه.

وقد جاء فى إجارات المدونة انه لا بأس بأن يكرى أرضه على أن تتخذ مسجدا عشر سنين فإذا انقضت كان النقض لمن بناه.

(منح الجليل شرح مختصر خليل ج- 4 ص 36 أوائل الوقف) وهذا واضح فى أن المسجد يصح أن يكون وقفه مؤقتا كسائر الوقاف، وأظهر الأقوال فى فقه الإمام الشافعى أن الوقف لا يكون إلا مؤبدا.

(التحفة ج - 2 ص 322) . وفى فقه مذهب الإمام أحمد بن حنبل لا يصح الوقف مؤقتا (الفروع لابن مفلح ج - 2 ص 867) .

وفى المغنى لابن قدامة (ج - 6 ص 214) المطبوع مع الشرح الكبير أن الوقف المنقطع، وهو ما لا يعلم انتهاؤه، فالوقف مع ذكر ما ينقطع به يصح، وبه قال مالك وأبو يوسف والشافعى فى أحد قوليه، وقال محمد ابن الحسن لا يصح وهو القول الثانى للشافعى.

وفى الاختيارات لشيخ الإسلام ابن تيمية (ج - 4 ص 101) ان مأخذ الوقف المنقطع هو أن الوقف هل يسح توقيته بغاية مجهولة أو غير مجهولة فعلى قول من قال لا يزال وقفا لا يصح توقيته، وعلى قول من قال يعود ملكا يصح توقيته، فإن غلب جانب التحريم فالتحريم لا يتوقف، وإن غلب جانب التمليك فتوقيته جميعه قريب من توقيته على بعض البطون، كما لو قال وقفت على زيد سنة ثم على عمر سنة ثم على بكر سنة.

وذهب فقه الإمامية إلى صحة الوقف الؤقت لمدة صراحة، والمؤقت ضمنا بذكر مصرف ينقطع، وقالوا بانتهاء الوقف بانتهاء المدة وانقطاع المصرف (جواهر الكلام ص 638) .

مسلك القانون المصرى فى التأبيد والتأقيت وسنده لهذا الاختلاف فى تأبيد الوقف وتوقيته أخذ القانون المصرى رقم 48 لسنة 1948 بمذهب الحنفية فى المجسد فلابد من تأبيده، وكذلك الموقوف على المسجد حيث لا يجوز الرجوع ولا التغيير فيه، وعدل القانون عن هذا المذهب فيما عداه إلى الأخذ بقول القائلين بجواز تأبيد الوقف الخيرى وتوقيته تيسيرا على الناس فى فعل الخير.

فتاوى دار الإفتاء المصرية · الجزء ٧ · الصفحة ٤٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتاوى دار الإفتاء المصريةج ٧ · ص ٤٠٩