(تفسير الألوسى ج - 5 ص 66 والسياسة الشرعية لابن تيمية ص 162 طبعة سنة 1961 م دار الجهاد) فحاجة المجتمع ماسة إلى ضرورة إقامة ولى يرجع إليه فى تنظيم شئون الناس، وجمهور الفقهاء على أن إقامة الحكام وولاة الأمر من فروض الدين، قال ابن تيمية (إن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين، ولا قيام للدين إلا بها فإن بنى آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع، ولا بدلهم عند اجتماعهم من رأس، حتى قال النبى صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود (إذا خرج ثلاثة فى سفر، فليؤمروا عليهم أحدهم) لأن الله أوجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل) .
وهذا أمر يكاد يكون متفقا عليه بين الأمة الإسلامية جميعا.
(الفصل فى الملل والنحل لابن حزم ج - 4 ص 87) وإذا كانت إقامة أولياء الأمور من الواجبات التى لا تستقيم الحياة والنظام إلا بها كانت ظاعتهم واجبة شرعا فيما لا معصية فيه، امتثالا لأمر الله فى تلك الآية الكريمة، وتحقيقا لمعنى الولاية، حتى لا تتفرق كلمة المسلمين، وضمانا لانتظام أمور الدولة.
ففى الحديث الشريف (لا طاعة لبشر فى معصية الله) . أخرجه ابن أبى شيبة عن على رضى الله عنه.
لهذا قال العلماء إنه يشترط لطاعة ولى الأمر، ألا يكون أمره بمعصية متيقنة، وهذا يتناول المسائل المباحة التى لم يرد فيها نص صريح وكانت بهذا موضع الاجتهاد، فالامتثال فى المباح أمرا أو نهيا لا يترتب عليه معصية، فتجب طاعة ولى المر إذا أمر بفعل المباح أو بتركه.
وقد سبق لعمر بن الخطاب رضى الله عنه أن تعرض لتحريم المباح فى بعض الصور، فإن أكل اللحوم المشروعة مباح بنص القرآن الكريم ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم﴾ المائدة 1، ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ البقرة 172، جاءت هذه الإباحة من غير تقييد ببعض الأيام دون بعض، ودرحج المسلمون على ذلك منذ عهد النبوة، ولما كانت خلافة عمر رأى أن يمنع الناس من أكل اللحم يومين متواليين أسبوعيا، فكان يأتى مجزرة الزبير ابن العوام بالبقيع ولم يكن بالمدينة غيرها فإذا رأى رجلا اشترى لحما يومين متتابعين ضربه بالدرة وقال (ألا طويت بطنك يومين) .
(عمر بن الخطاب لأبى الفرج الجوزى ص 68) وهذا اجتهاد من الخليفة الثانى أداه إلى حظر تناول اللحم يومين متتاليين حتى يكون هناك مجال لتداوله بين الناس، وقد كان اللحم مباحا طوال جميع الأيام على ما يقتضيه نص القرآن الكريم.
ومنع عمر كبار الصحابة من التزوج بالكتابيات، وقال أنا لا أحرمه ولكنى أخشى الإعراض عن الزواجب المسلمات، وفرق بين كل من طلحة وحذيفة زوجتيهما الكتابيتين، فاالزواج بالكتابية مباح عند من فعله من الصحابة بنص القرآن الكريم، ولأن النهى عن نكاح المشركات لا يشمل الكتابيات، ومع ذلك اجتهد عمر وهو ولى أمر المسلمين ورأى المصلحة فى منعه وإن كان لا يحرمه، والتزم بأمره صحابيان من أهل الاجتهاد (الجامع لأحكام القرآن للقرطبى ج - 3 ص 68) ولقد ابتنى على هذا ما قال به الفقهاء من سلطة ولى الأمر فى تغيير المباح إلى الوجوب أو التحريم، بما لا يختلف مع أصول الشريعة أو يناقضها وأن عليه أن يتحرى مصلحة الناس فى نطاق أحكام الشرع، وما جرى به العرف والعادة الصحيحان.
وإذ كان تحديد هيئة الزى أو الثياب من المور التى لم يرد فيها نص فى القرآن والسنة، بل لم تعرض نصوصها لهذا التحديد، لأنه من الأمور التى تختلف فيها الأحكام، باختلاف العصور والأعراف، كان هذا من الأمور المنوطة بولى الأمر، وكان تحديد للناس جميعا أو لفئة معينة جائزا، ولقد جرت عادة المسلمين وعرفهم، بل وعرف وعادة الناس جميعا على تحديد زى لرجال الجيش والشرطة وتحريمه على غيرهم، إذ المقوصد بهذا أى يندس فى مزاولة المهام المنوطة بهم من ليس منهم، وليكونوا معروفين لعامة الناس وخاصتهم، لأن الشريعة - كما قال ابن القيم (أعلام الموقعين ج - 3 ص 14 - 22) - مبناها وأساسها على الحكم والمصالح، فهى عدل كلها ورحمة ومصالح وحكم.