والجواب عنها أولا كما قال ابن حزم فى كتاب الحج أن هذه الآية مكية اتفاقا وقد روى النبى صلى الله عليه وسلم أخبار متواترة من طرق صحاح عن خمسة من الصحابة فى الحج عن العاجز فصح أن الله تعالى بعد أن لم يجعل للإنسان إلا ما سعى تفضل على عباده فجعل لهم ما سعى فيه غيرهم بهذه النصوص الثابتة.
وقال فى كتاب الصوم إن الله الذى أنزل هذه الآية هو الذى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ النحل 44، وقال ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ النساء 80، فصح أنه ليس للإنسان إلا ما سعى وما حكم الله أو رسوله بأنه من سعى غيره عنه والصوم عنه من جملة ذلك انتهى - وحاصله أن الآية منسوخة أو مخصصة بما دلت عليه هذه الأحاديث من انتفاع الميت بحج غيره وصومه عنه وهما ليسا من سعيه وعمله ولا فرق بين الحج والصوم فى ذلك.
ثانيا كما قال الكمال ابن الهمام الحنفى المتوفى سنة 681 فى فتح القدير أن الآية يجب تقييدها بما لم يهبه العامل للميت وذلك أنه قد ثبت فى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته واشتهرت رواية هذا الحديث عن عدة من الصحابة فيجوز تقييد هذه الآية به وثبت ثبوتا بلغ مبلغ التواتر أن من جعل شيئا من الصالحات لغيره نفعه الله به مثل حديث صلاة الولد وصيامه لوالديه مع صلاته وصيامه لنفسه.
وحديث قراءة سورة الإخلاص وهبة أجرها للأموات.
وقراءة يس على الموتى. وحديث إنا نتصدق عن موتانا ونحج عنهم وندعو لهم ووصول إليهم وأنهم ليفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدى إليه - وثبت الأمر بالدعاء للوالدين فى قوله تعالى ﴿وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا﴾ الإسراء 24، واستغفار الملائكة للمؤمنين فى قوله تعالى ﴿والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن فى الأرض﴾ الشورى 5، وذلك قطعى فى حصول الانتفاع بعمل الغير.
فقطعنا بانتفاء إرادة ظاهر الآية وبتقييدها بما لم يهبه العامل - ملخصا -.
ومعنى الآية أنه ليس ينفع الإنسان فى الآخرة إلا ما عمله فى الدنيا مالم يعلم له غيره عملا ويهبه له فإن ينفعه كذلك فمن صلى أو صام أو تصدق أو أتى بأية قربة فجعل ثواب ذلك لغيره جاز لا فرق بين أن تكون القربة عبادة مالية أو بدنية أو مركبة منهما.
ثالثا كما فى الألوسى وغيره أن انتفاع الميت يسمى الميت غيره له مبنى على إيمانه وصلاحه وهما من عمله وسعيه خاصة فجعل عمل الغير نفس سمى الميت وعمله بهذا الاعتبار.
وقد دل على بنائه على ذلك ما أخرجه أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص (أن العاص بن وائل نذر فى الجاهلية أن ينحر مائة بدنة وأن هشام بن العاص نحرحصته خمسين وأن عمرا سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك) فقد أخبره الرسول بأن موت أبيه على الكفر مانع من وصول الثواب إليه وأنه لو أقر بالتوحيد لأجزأ ذلك عنه ولحقه ثوابه وحاصل المعنى أنه ليس للإنسان إلا ما سعى فيه وهو ما باشره من عمل نفسه وما تسبب فيه بإيمانه من عمل غيره لأجله وذلك يشمل كل قربة يعملها الغير لأجل الميت ويهب ثوابها له كما هو ظاهر والجواب عن الحديث كما قال ابن حزم والزيلمى أنه لا يفيد إلا انقطاع عمل الميت فقط وليس فيه دلالة على انقطاع عل غيره عنه أصلا ولا المنع من ذلك.
قال ابن حزم وليس بصحيح ما قاله الفقهاء من أن عمل الأبدان لا يعمله أحد عن أحد.
بل كل عمل أمر النبى صلى الله عليه وسلم به أن يعمله المرء غن غيره وجب أن يعمل على الرغم من ذلك وقياسهم العبادات البدنية على الصلاة قياس باطل لاتفاقهم على جواز أن يصلى المرء الذى يحج عن غيره ركعتين عند المقام عن المحجوج عنه فإذا أجازوا ذلك فليقس عليه سائر أعمال الأبدان.