ومنهم من كان يقدح فيه ولا يعترف به، كالمرقش السدوسى وجهم الهذلى، وجاء فى ذلك قول المرقش:
ولقد غدوت وكنت لا لم أغدو على واق وحائم * فإذا الأشائم كالأيامن والأيامن كالأشائم * وكذاك لا خير ولا شر على أحد بدائم * لا ينعنك من بغاء الخير تعقاد التمائم* قد خط ذلك فى السطور الأوليات القدائم * والواقى هو الصرد - نوع من الطيور - والحائم هو الغراب.
يقول ابن القيم: من اهتم بذلك أسرع إليه التأثر، وكثر وساوسه فيما يسمعه ويراه ويعطاه، فإذا أهدى إليه سفرجل أو سمع اسمه تشاءم وقال:
سفر وجلاء، وهكذا، وذكر عدة حوادث فى ذلك.
وقد ذم الله التطير وحكاه عن قوم هم أعداء الرسل، ومعنى طائركم وطائرهم ما قض وقدره عليهم بسبب كفرهم وتكذيبهم، وهو راجع عليهم، وذمه النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث الصحيحين عن الذين يدخلون الجنة بغير حساب بقوله " ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون " وفى غير ذلك من الأحاديث التى سبق ذكرها. وجاء فى مسلم أن معاوية بن الحكم السلمى قال: يا رسول الله، ومنا أناس يتطيرون، فقال " ذلك شىء يجده أحدكم فى نفسه فلا يصدنه ".
فبين أن تأثيرها ليس من ذاتها، بل من الإنسان نفسه الذى يعتقد فيها.
ومع نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن الطيرة كان يحب الفأل الحسن، ففى الصحيحين " لا عدوى ولا طيرة، وأحب الفأل الصالح " وفى لفظ "وخيرها الفأل " وفى لفت " وأصدقها الفأل " ومنه قوله عليه الصلاة والسلام " إذا أبردتم إلى بريدا فاجعلوه حسن الاسم حسن الوجه " وله فى الفأل حوادث، منها اختيار من اسمه "يعيش " ليحلب الناقة ورفض من اسمه " حرب "، وأخبر عمر عن سبب ذلك ونفى أنه تطير فقال " ظننت يا عمر أنها طيرة، ولا طير إلا طيره، ولا خير إلا خيره، ولكن أحب الفال " وكره المرور يوم بدر بطريق فيه جبلان لم يعجبه اسمهما ولا اسم الساكنين فيه. وفى الصحيحين أنه قال " الشؤم فى ثلاث، فى المرأة والدار والدابة " وفى الموطأ أنه أمر امرأة بالتحول من دارها لما أصابهم فيها من مكروه.
وقد علق ابن القيم على ذلك بأن الفال ليس فيه شرك بل فيه تقرير لطبيعة الإنسان فى حب الخير وكراهية الشر، كما يحب الصوت الحسن والرائحة الطيبة والأخبار السارة عن الخصب والصحة والانتصار، مع اعتقاد أن هذه الأمور لا تؤثر أبدا إلا بإذن الله كما فى التشاوم بالدار، والتشاؤم قد يؤدى الى الشرك وترك التوكل على الله.
أما الفأل فيفضى إلى الأمل والطاعة وتوحيد الله. وقال بعضهم فى الفرق بين التطير والفأل: إن الفأل فيه إبانة عن شىء حاصل فى النفس وهو الارتياح الذى ظهر بسماع الاسم الحسن مثلا، أما التطير ففيه استدلال على شىء غير حاصل.
وحديث الشؤم روى بوجهين، أحدهما بالجزم والثانى بالشرط. فالأول " الشؤم فى الدار والمرأة والفرس " والثانى " إن يكن من الشؤم شىء حقا ففى الفرس والمسكن والمرأة " فقالت طائفة: لم يجزم النبى صلى الله عليه وسلم بالشؤم فى هذه الثلاثة، بل علقه على الشرط ولا يلزم من صدق الشرطية صدق كل واحد من طرفيها. وقالت طائفة أخرى: إضافة الشؤم إليها مجاز واتساع، أى قد يحصل مقارنا لها لأنها هى نفسها مما يوجب الشؤم، فقد تكون الدار قد قض الله أن يميت فيها بعضا من خلقه، فمن كتب الله عليه الموت فى تلك الدار حسن إليه سكناها حتى يقبض فيها. سئل مالك رضى الله عنه عن الشؤم فى الدار فقال: إن ذلك كذب فيما نرى، كم من دار سكنها ناس فهلكوا، ثم سكنها آخرون فملكوا.
وقال آخرون: إنما يلحق الشؤم من تشاءم منها، أما من توكل على الله فلا يلحقه ضرر منها، ولذلك نصح النبى صلى الله عليه وسلم المرأة أن تتحول عن هذه الدار ما دامت تتشاءم منها، وهو من باب الرحمة والتيسير، بدل أن يرغمها على سكناها ونفسها لم تتهيا لترك الشؤم وللاتكال على الله بعد، فقد يزيدها ذلك أعتقادا فى التطير وهو شرك، أو يسلمها إلى الحزن بكراهة الدار، ولو أرغم من ضاق رزقه فى بلد على عدم مفارقتها لكان ذلك هو الحرج الذى لا يرضاه الله لعباده.