والأمر فى الثلاثة للندب لا للوجوب.
بقرينة جواز تأجير الأرض بالذهب أو الفضة بالإجماع.
وجواز تأخيرها بالنصف أو الثلث أو الربع على طريق المزارعة كما فعل الرسول فى أرض خيبر مستمرا على ذلك إلى وفاته، وكما فعل أصحابه فى حياته وبعد وفاته كما سبق.
وقد انعقد الإجماع على عدم وجوب الإعارة بلا فرق بين المزارعة وغيرها فوجب حمل هذا الحديث على الاستحباب والندب، كما أوضحه صاب منتقى الأخبار على أن الإمام الصنعانى قال فى سبل السلام بعد رواية حديث النهى فى المزارعة أنه كان فى أول الأمر لحاجة الناس وكون المهاجرين ليس لهم أرض فأمر الأنصار بالتكرم والمواساة، ويدل عليه ما أخرجه مسلم من حديث جابر قال كان لرجال من الأنصار فضول أرض، وكانوا يكرونها بالثلث والربع فقال النبى صلى الله عليه وسلم من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبى فليمسكها.
وهذا كما نهوا أول الأمر عن ادخار لحوم الأضاحى ليتصدقوا بها، ثم بعد أن اتسع حال المسلمين زاد الاحتياج، فأبيح لهم المزارعة وتصرف المالك فى ملكه بما يشاء من إجارة وغيرها، ويدل على ذلك ماوقع من المزارعة فى عهده صلى صلى الله عليه وسلم وفى عهد الخلفاء من بعده، ومن البعيد غفلتهم عن النهى وترك إشاعة رافع له فى هذه المدة وذكره فى آخر خلافة معاوية.
سواء أقلنا إن أحاديث النهى عن المزارعة إنما وردت فى المزارعة الفاسدة أم أن النهى عنها كان عاما أول الأمر للحاجة ثم زال بزوال سببه فان الذى استقر عليه الأمر فى حكم الشريعة الإسلامية أن المالك حر يتصرف فى مالكه بما يشاء من زرع ومزارعة وتأجير لا حجر عليه فى شىء من ذلك ولا إيجاب (ما فعله عمر فى سواد العراق) لما فتح المسلمون سواد العراق فى خلافة عمر بن الخطاب، رأى الفاتحون أن يقسم بينهم قسمة تمالك كقسمة الغنائم فأبى عمر عليهم ذلك، وقال كما فى كتاب الخراج لأبى يوسف والله لا يفت بعدى بلد فيكون فيه كبير نيل بل عسى أن يكون كلا على المسلمين فاذا قسمت أرض العراق بعلوجها وأرض الشام بعلوجها فما يسد به الثغور وما يكون للذرية والأرامل بهذا البلد وبغيره من أهل الشام والعراق.
فترك.
الأرض مملوكة لأهلها يجوز بيعهم لها وتصرفهم فيها، وضرب على رءوسهم الجزية وعلى الأرض الخراج ليكون ما يجبى من ذلك سدا لحاجة المسلمين عامة، ينفق منه على الجيوش المقاتلة وسد الثغور وبناء القناطر والجسور وأرزاق العمال والموظفين وما إلى ذلك مما يتوقف عليه صيانة البيضة وبقاء الدولة.
وقد أسلم كثير من أهل السواد، فوضعت عنهم الجزية، وتداولت الأيدى أرضه، وأصبحت ملكا للمسلمين وغيرهم يتصرف كل مالك فى ملكه بما يريد من أنواع التصرف.
ومن هؤلاء الملاك التابعون وتابعوهم وأئمة المسلمين والفقهاء والمحدثون ومن بعدهم على تتابع القرون إلى وقتنا هذا.
فأى صلة بين هذا وبين ما يدعون إليه من قصر ملكية الفرد على قدر عيش الكفاف، ووجوب تنازله عما زاد عن ذلك منحة للمعدمين.
الرأسمالية ولقد أسرف الكاتبون فى الطعن على الرأسمالية مجاراة لتلك الدعايات الهادمة وصوروها للعامة بأبشع الصور فإن عنوا احتكار الملكية بمعناه بمعناه الحقيقي فنحن أول من ينكره وينعى عليه، وإن أرادوا مجرد الملكية كان طعنهم مراغمة للشرائع ومكابرة للعقول.
وقد تبين مما أسلفنا أن النظام المالى فى الإسلام يحترم حق الملكية، ويعاقب على العدوان عليه ويبيح للمالك حق التصرف فى ملكه بما يشاء من بيع ورهن وإجارة ومزارعة وإعارة ووقف ونحو ذلك ولا يوجب عليه، يمنح ملكه لغيره، ولا أن يكتفى من زراعة أرضه بما يحصل له عيش الكفاف كما تبين من سياق الحديث الذى استندوا إليه ومما ذكره أئمة الحديث فى بيانه.
أنه لا يمت بصلة إلى مازعموه وكذلك فعل عمر فى سواد لا يؤيد ما ذهبوا إليه.