ومما احتالوا به لاذكاء نار الفتنة فى نفوس طبقات العمال وأشباههم من الشعوب وهم الكثرة الغالبة إظهار التحنن لهم والحدب عليهم بدعوى وجوب محو الملكيات العقارية بتاتا أو وجوب تقصير مداها إلى حد الكفاف (على النحو الذى عالج به المنشور توزيع الثروة العقارية بين الأفراد) بزعم أنه علاج إسلامى.
أما الإسلام الحنيف فقد ساير سنن الوجود وطبيعة العمران وقرر أسمى المبادئ فى نظام الملكية فأباح الملكية المطلقة للأفراد وأوجب بجانب ذلك على الأغنياء فى أموالهم حقوقا يؤدونها للفقراء والمساكين وذوى الحاجة سدا لخلتهم وينفقون منها فى المصالح العامة التى تعود بالخير على المجتمع وفى آيات القرآن والأحاديث النبوية من الحث على أداء هذه الحقوق والترهيب من الإخلال بها، والترغيب فى التصدق والإنفاق والبر والمواساة ما لو ابتعه المسلمون كانوا أسعد الأمم حالا وأهناها بالا وأبعدها عما نراه من المآثم والشرور أوجب الزكاة فى الأموال تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء وهى الركن المالى فى دعائم الإسلام، وأمر بالبر والاحسان لذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل.
وقال تعالى ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ آل عمران 92، وضاعف مثوبة الصدقات فقال تعالى ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ البقرة 261، وحث على صدقة السر فقال تعالى ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير﴾ البقرة 271، إلى غير ذلك من الآيات التى عدلت الأغنياء بالفقراء وأسعدت الفقير بحظ من ثمرات ملكية الغنى يسد خلته ويكفى حاجته، وبجانب ذلك حث القرآن فى كثير من الآيات على العمل والكسب، ونهت السنة عن البطالة وإراقة ماء الوجه بالسؤال والاستجداء كيلا يتكل الفقراء على الأغنياء ويعيشوا عليهم عالة يتكففونهم وفى ظلال هذه التعاليم التى يكمل بعضها بعضا يعيش العامل والفقير والغنى عيشة راضية مطمئنة لا يشوبها كدر ولا ينغصها ألم.
احترم الإسلام حق الملكية فأباح لكل فرد أن يتملك بالأسباب المشروعة مايشاء من المنقولات والعقارات وأباح له استثمارها والانتفاع بها فى نطاق الحدود التى رسمها وخوله حق الدفاع عنها كالدفاع عن النفس والعرض ولو بقتل الصائل عليها وأوجب عليه صيانتها ونهاه عن إضاعتها وصرفها فى غير المشروع من وجوهما استكمالا لوسائل العمران.
وفى الحديث (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) وفى حديث آخر.
(من قتل دون ماله فهو شهيد) وقد أضاف القرآن الأموال إلى أصحابها إضافة التملك فقال تعالى ﴿وفى أموالهم حق للسائل والمحروم﴾ الذاريات 19، وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما.
ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا} النساء 29، 30، وشرع الإسلام أسباب ملكية الأعيان والمنافع وطرائق انتقالها من مالك إلى آخر، أقام للتعامل بين الناس نظما وحدودا تكفل صيانة حق الملكية، وتمكن المالك من استيفاء حقه والانتفاع بثمرة ملكه، وتخول المستأجر الانتفاع بملك غيره، وحرم من وسائل التعامل ما يقضى إلى التهارج والتقاتل كالربا فى صورة المختلفة والعقود التى فيها جهالة وغرر ومخاطرة، وحرم الغصب والسرقة وأكل أموال الناس بالباطل وسن الحدود والعقوبات جزاء لمن ينتهك حرمة الملكية ويتعدى حدودها المشروعة قال تعالى ﴿ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ البقرة 229، بل نهى سبحانه عن أدنى أنواع التعرض للأموال، وهو تنمى زوالها عن الغير فقال تعالى ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شىء عليما﴾ النساء 32، للارشاد إلى أن التفاضل فى المال لا يسوغ العدوان عليه ولو بالتمنى المذموم، فإن ذلك قسمة صادرة من الحكيم الخبير، وعلى العبد أن يرضى بما قسم الله له ولا يتمنى حظ المفضل حسدا وحقدا بل يسأل الله من واسع فضله وجزيل إنعامه، فإن خزائن ملكه لا تنفد قال تعالى ﴿أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون﴾ الزمر 52، وقال تعالى ﴿ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون﴾ الأحقاف 19، أقام الشارع هذه النظم الحكيمة الآخذ بعضها برقاب بعض صيانة للمجتمع من الفوضى والفساد ورعاية لمصالح العباد وهو أعلم بها، ولم يترك الأمر سدى تعبث به الأهواء ويضل الناس فيه السبيل، فانزل القرآن الكريم هدى ونورا، وجاءت السنة النبوية بيانا له وتنويرا، وجاء فيهما من التعاليم ما إن تمسك به المسلمون كانوا على بينة من دينهم وعلى هدى من أمرهم، وكانت السعادة ملاك إيمانهم، وليس بعد الحق إلا الضلال، فليس لمسلم أن يأخذ بغير هدى الإسلام فيما شرعه من الأحكام، ولا أن يدعو الناس إلى غير ما دعا إليه من الحق والنور.