تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا يكون المعنى المجازى هو المراد بهذا التهديد، فإنهم قد غمزوه وعابوه وشتموه وهو يطوف بالبيت فهددهم بالهلاك، بأن يدعو الله عليهم كما فعل السابقون من النبياء، أو بالتطهير مما هم فيه من الشرك، يعنى أنه جاءهم بالدين الصحيح الذى يتطهرون باتباعه، وهذا المعنى الأخير هو المتفق مع ما أثر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو لقومه بالهداية إلى الإسلام.

بهذا البيان - مع واقع القرآن والسنة، ومن لغة العرب التى نزل بها القرآن - يظهر بوجه قاطع الرسول صلى الله عليه وسلم لهم يهدد قومه بالذبح الذى قصده هذا الكتيب وصرف القصة إليه وهو القتل، فالرسول إنما كان يهدد بما يملك إنزاله بهم، لا بما يفوق فدرته الذاتية، فقد كان ومن تبعوه قلة، لا يستطيعون ذبخ مخالف لهم، وهو لم يفعل حتى بعد أن هاجر وصارت له عدة وعدد من المؤمنين بل إن تفسير الذبح فى هذا التهديد بالمعنى المتبادر لهذا اللفظ يتعارض مع ما عرف عن رسول الله من خلق وحكمة ورحمة بالناس، وقد أكد القرآن كل هذه الصناف لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ الأنبياء 107، وقال سبحانه ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنتب فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ آل عمران 159، وقال ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ القلم 4.

ثالثا - الحكم بما أنزل الله فى القرآن الكريم قول الله سبحانه ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ النساء 65، وقوله ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا﴾ الإسراء 82، وقوله ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون﴾ الأنعام 155، وقوله ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ النحل 89.

وفى الحديث الشريف الذى رواه مالك فى الموطأ.

(تركت فيكم أمرين لت تضلوا ما تمسكتم بهما.

كتاب الله وسنة رسوله) . فالقرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، هما المرجع فى التشريع الإسلامى، فقد اشتملا على العقائد والعبادات والمعاملات، وعلى أحكام وحكم وعلوم وفضائل وآداب وأنباء عن اليوم الآخر وغير هذا مما يلزم الإنسان فى حياته وفى آخرته.

وقد أمر القرآن بالأخذ به، وبما جاء به رسول الله (أى سنته) ذلك قول الله سبحانه ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ الحشر 7، وقوله تعالى ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ النساء 80، وقوله جل شأنه ﴿ليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ النور 63، وقوله تعالى ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون﴾ النور 51، وقوله تعالى ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ المائدة 44، وقوله تعالى ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ المائدة 45، وقوله تعالى ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ المائدة 47، ذهب الخوارج إلى أن مرتكب الكبيرة كافر، محتجين بهذه الآيات الثلاث الأخير، وهذا النظر منهم غير صحيح.

ذلك لأننا إذا رجعنا إلى قواعد اللغة ودلالات الحروف والأسماء نجد أن كلمة (من) الواردة فى تلك الآيات من أسماء الموصول، وهذه الأسماء لم توضع - فى اللغة - للعموم، بل هى للجنس، تحتمل العموم، وتحتمل الخصوص.

قال أهل العلم باللغة والتفسير، وعلى هذا يكون المراد، والمعنى (والله أعلم) أما من لم يحكم بشىء مما أنزل الله أصلا فأولئك، أى من ترك أحكام الله نهائيا وهجر شرعه كله، هم الكافرون وهم الظالمون، وهم الفاسقون، وذلك بدليل ما سبق من الأحاديث الدالة على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج بها عن إيمانه وإسلامه وإنما يكون آثما فقط.

أو أن المراد فى هذه الآيات بقول الله (بما أنزل الله) هو التوارة، بقرينة ما قبله وهو قوله ﴿إنا أنزلنا التوراة﴾ وإذا أخذنا هذا المعنى كانت الآيات موجهة للهيود الذين كان كتابهم التوارة، فإذا لم يحكموا بها كانوا كافرين أو ظالمين أو فاسقين، والمسلمون غير متعبدين بما اختص به غيرهم من الأمم السابقة، فقد كانت - مثلا - توبة أحدهم من ذنب ارتكبه قتل نفسه ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ البقرة 54، وحرم هذا فى الإسلام ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ النساء 29، وشرع بديلا لقتل النفس التوبة بالاستغفار وبالصدقات.

فتاوى دار الإفتاء المصرية · الجزء ٧ · الصفحة ٥٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتاوى دار الإفتاء المصريةج ٧ · ص ٥٦٦