تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهكذا كانت مصر وستظل، آمنة بأهلها ويتخطف الناس من حولها، لقد عاش الإسلام والمسيحية هنا هذه القرون، يرتوى المسلمون والمسيحيون من ماء النيل، ويفلحون أرضها، يبذرون الحب ويعتمدون على الرب ويعيشون إخوة متجاورين متحابين.

ليتذكر المواطنون أن مصر قد تحررت من الاستعمار بوحدتها، فلنعد إلى التاريخ أيضا ولنطالع تلك الصحائف الغنية صحائف الرجال، الذين تغاضوا عن كل أسباب الفرقة والتباعد فى ثورة الشعب فى سنة 1919، فدخل القص الزهر خطيبا ودخل عالم الأزهر الكنيسة داعيا للوطن والوطنية، والتقت القلوب قبل الكلمات، وكان رصاص العدو لا يفرق بين المسلم والمسيحى، ولقد استمر جهاد المواطنين، دون تراخ أو تباعد عن ساحة الاستشهاد حتى تحررت مصر واستردت ذاتها.

ولما نكبت فيما كسبت، وولى أمرها الرشيد من أبنائها، احتسب نفسه وجهده لخلاصها واسترداد كرامتها، فماذا كان كان هذا الإخاء الوطنى فى حرب رمضان 1939 - أكتوبر 1973 أن وقف المصريون، بل الوطن العربى - مسلمين ومسيحيين - يقاتلون، لا يفرقهم الدين، فقد ارتوت أرض المعارك بدماء المسلمين والمسيحيين على السواء، هذا الإخاء فى الوطن، ليس وصية للمسلمين فحسب، بل هو كذلك صلب المسيحية، التى ترفع دائما نداء وشعار المحبة والسلام، والسلام الذى ينادى به الإسلام، ويتمثل فى دعاء الرسول محمخد صلى الله عليه وسلم (اللهم أنت السلام، ومنك السلام وإليك السلام، فحينا ربنا بالسلام) ويقرؤه إخواننا الأقباط فى الأنجيل إذ يقول (المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة) إن الدين بأهله، وعلى أهل الدين - أى دين - أن يحفظوا تعاليمه الحقة، فيؤدون واجباتهم، ويأخذون حقوقهم، وبالكلمة الكيبة الهادئة، وليس باستثارة الطائفية وإثارة البغضاء والشحناء التى تستتبع إرقاة الدماء، وقتل الأنفس التى حرم الله فى جميع شرائعه قتلها إلا بالحق.

إنه لا ينبغى أن يتسبب حادث فردى فى هذا الذى رواه بلاغ وزارة الداخلية الذى اهتزت له قلوب المواطنين مسلمين ومسيحيين - فلا أحد فى هذا اولطن يود أن يجرى فيه ما جرى فى غيره.

وإذا كان ما حدث قد تولاه المختصون من رجال الأمن والنيابة العامة فليترك الجميع التحقيقات تأخذ سيرها، لتكشف عن الحقيقة فى هذا الأمر، إذ أنى أستبعد أن يقدم مواطن صالح مختص لوطنه ولدينه على إثارة الفتنة وإشاعة الفرقة، وقد يكون وراء هذا دوافع ليست من أخلاق المواطنين.

إن الشياطين يئسوا من الاستجابة لهم، فيما حاولوا ويحاولون من فتن واضطراب فركبوا موجة اختلاف الدين والطائفية، لانهم يعلمون أن شعب مصر، شعب متدين، جاءوا ليلبسوا عليهم دينهم، ويدفعوهم ليخلطوا عملا صالحا وآخر سيئا.

أيها المواطنون - أقباطا ومسلمين - لا تدعوا لشياطين الإنس سبيلا للتفرقة بينكم تحت أى شعار، إن أعداء الوطن يتربصون به.

﴿والله من ورائهم محيط﴾ البروج 20، إن الله نصحنا فى القرآن الكريم بقوله سبحانه ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ الأنفال 25، نعم إن الفتن يجب أن توأد فى مهدها، وألا تترك لتزداد اشتعالا بفعل أهل السوء الذين تؤرقهم وحدة هذا الوطن، فهم لا يفترون، يعيثون فى الأرض فسادا وفرقة، والله سبحانه يدعونا بهذه النصيحة إلى أن نأخذ على يد المفسدين بحزم وعزم، وهذا ما نأمل من أولى الأمر لأن معظم النار من المستصغر الشرر.

حفظ الله كنانته فى أرضه وأتم عليها نعمة الوحدة والأمن، والله متم نوره - ولو كره الحاقدون - على مصر، أمنها، وأمانها، ووحدتها.

وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون، وعندئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، وإنا لهذا النصر لمرتقبون.

دعوة قالها نبى وحكاها القرآن ﴿ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين﴾ يوسف 99

فتاوى دار الإفتاء المصرية · الجزء ٧ · الصفحة ٥٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتاوى دار الإفتاء المصريةج ٧ · ص ٥٢٣