تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليست المغيبات محصورة بهذه الخمس وإنما خصت بالذكر لوقوع السؤال عنها، أو لأنها كثيرا ماتشتاق النفوس إلى العلم بها.

وقال القسطلانى ذكر صلى الله تعالى عليه وسلم خمسا وإن كان الغيب لا يتناهى لأن العدد لاينفى زائدا عليه، ولأن هذه الخمسة هى التى كانوا يدعون علمها انتهى - وفى التعليل الأخير نظر لا يخفى، وأنه يجوز أن يطلع الله تعالى بعض أصفيائه على إحدى هذه الخمس ويرزقه عز وجل العلم بذلك فى الجملة، وعلمهما الخاص به جل وعلا ما كان على وجه الإحاطة والشمول لأحوال كل منها وتفصيله على الوجه الأتم.

وفى شرح المناوى الكبير للجامع الصغير فى الكلام على حديث بريدة السابق خمس لا يعلمهن إلا الله على وجه الإحاطة والشمول كليا وجزئيا، فلا ينافى إطلاع الله تعالى بعض خواصه على بعض المغيبات حتى من هذه الخمس لأنها جزئيات معدودة.

وإنكار المعتزلة لذلك مكابرة انتهى - ويعلم مما ذكرنا وجه الجمع بين الأخبار الدالة على استئثار الله تعالى بعلم ذلك وبين ما يدل على خلافه كبعض إخباراته عليه الصلاة والسلام بالغيبات التى هى من هذا القبيل يعلم ذلك من راجع نحو الشفاء والمواهب اللدنية مما ذكر فيه معجزاته صلى الله تعالى عليه وسلم وإخباره عليه الصلاة والسلام بالمغيبات.

وذكر القسطلانى أنه عز وجل إذا أمر بالغيث وسوقه إلى ما شاء من الأماكن علمته الملائكة الموكلون به ومن شاء سبحانه من خلقه عز وجل وكذا إذا أراد تبارك وتعالى خلق شخص فى رحم يعلم سبحانه الملك الموكل بالرحم بما يريد جل وعلا كما يدل عليه ما أخرجه البخارى عن أنس بن مالك عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال إن الله تعالى وكل بالرحم ملكا يقول يارب نطفة يارب علقة يارب مضغة، فإذا أراد الله تعالى أن يفصى خلقه قال أذكر أم أنثى شقى أم سعيد فما الرزق والأجل فيكتب فى بطن أمه.

فحينئذ يعلم بذلك الملك ومن شاء الله تعالى من خلقه عز وجل.

وهذا لا ينافى الاختصاص والاستئثار بعلم المذكورات بناء على ما سمعت منا من أن المراد بالعلم الذى استأثر سبحانه به العلم الكامل بأحوال كل على التفصيل فما يعلم به الملك ويطلع عليه بعض الخواص يجوز أن يكون دون ذلك العلم.

بل هو كذلك فى الواقع بلاشبهة) انتهى - وفى تفسير القاضى البيضاوى عند قوله تعالى ﴿فلا يظهر على غيبه أحدا﴾ قال أى على الغيب المخصوص به علمه.

وقال الشهاب عليه قوله على الغيب المخصوص به علمه، لإفادة الإضافة الاختصاص.

واختصاصه به تعالى، لأنه لا يعلم بالذات والكنه علما حقيقيا يقينيا بغير سبب كاطلاع الغير إلا الله وعلم غيره لبعضه ليس علما للغيب إلا بحسب الظاهر، وبالنسبة لبعض البشر كما ذكره بعض المحققين انتهى.

ومن ذلك يعلم.

أنه لا يعلم الغيب بجميع أنواعه بالذات علما حقيقيا إلا الله سبحانه وتعالى لا فرق بين الخمس وغير الخمس، وأما علم غيره تعالى فليس فى الحقيقة علما بالغيب بالذات، وإنما هو علم حادث بتعليم الله سبحانه وتعالى وإطلاعه.

ويعلم مما ذكر أنه لا مانع من أن يطلع الله من شاء على ما شاء من الغيب.

ولا يعد ذلك علما بالغيب، وعلى ذلك يجوز أن الله سبحانه وتعالى يطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على الساعة، كما يعلم مما تقدم عن الأولسى من أن ما ذكر لا ينافى إطلاع الله تعالى بعض خواصه على بعض المغيبات حتى من هذه الخمس.

والله أعلم

فتاوى دار الإفتاء المصرية · الجزء ٧ · الصفحة ٤٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتاوى دار الإفتاء المصريةج ٧ · ص ٤٧٤