تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقالوا اشتريناه من عدى وتميم، فجاء رجلان من ورثة السهمى فحلفا أن هذا الجام للسهمى ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا قال فخذوا الجام، وفيهم نزلت هذه الآيات - وقال فى تفسير الآيات.

وقد اختلف العلماء فى فهم قوله تعالى ﴿ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾ على ثلاثة أقوال: الأول - أن الكاف والميم فى قوله سبحانه ﴿منكم﴾ ضمير للمسلمين وقوله أو آخران من غيركم للكافرين.

فعلى هذا تكون شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة فى السفر إذا كانت بوصية، وهو الأشبه بسياق الآية مع ما تقرر من الأحاديث التى وردت فى أسباب نزول الآيات وهو قول ثلاثة من الصحابة الذين شاهدوا التنزيل.

أبى موسى الأشعرى وعبد الله بن قيس وعبد الله بن عباس - فمعنى الآية على هذا القول - أن الله تعالى أخبر أن حكمه فى الشهادة على الموصى إذا حضره الموت أن يكون شهادة عدلين، فإن كان فى سفر وهو الضرب فى الأرض ولم يكن معه أحد من المؤمنين فليشهد شاهدان ممن حضره من أهل الكفر، فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الشهادة أنهما ما كذبا وما بدلا وأن ما شهدا به حق، وما كتما فيه شهادة، وحكم بشهادتهما.

فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا ونحو هذا مما هو إثم - حلف رجلان من أولياء الموصى، وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما - هذا معنى الآية على مذهب أبى موسى الأشعرى وسعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير وأبى مجلز وشريح وعبيدة السلمانى وابن سيرين ومجاهد وقتادة والسدى وابن عباس وغيرهم وقال به من الفقهاء سفيان الثورى ومال إليه أبو عبيد القاسم ابن سلام لكثرة من قال به واختاره أحمد بن حنبل وقال شهادة أهل الذمة جائز على المسلمين فى السفر عند عدم المسلمين وكلهم يقولون منكم من المؤمنين ومعنى من غيركم يعنى الكفار والآية محكمة على مذهب أبى موسى وشريح وغيرهما.

القول الثانى - أن قوله تعالى ﴿أو آخران من غيركم﴾ منسوخ وهذا قول زيد بن أسلم والنخعى ومالك والشافعى وأبى حنيفة وغيرهم من الفقهاء، إلا أن أبا حنيفة خالفهم فقال تجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض، ولا تجوز على المسلمين.

واحتج أصحاب هذا القول بقوله تعالى ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وقوله ﴿وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾ فهؤلاء زعموا أن آية الدين من آخر ما نزل، وأن فيها ممن ترضون من الشهداء فهو ناسخ لذلك.

ولم يكن الإسلام يومئذ إلا بالمدينة، فجازت شهادة أهل الكتاب.

والإسلام اليوم قد طبق الأرض فسقطت شهادة الكفار، وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفساق لا تجوز والكفار فساق فلا تجوز شهادتهم.

قال القرطبى قلت ما ذكرتموه صحيح إلا أنا نقول بموجبة وأن ذلك جائز فى شهادة أهل الذمة على المسلمين فى الوصية فى السفر خاصة للضرورة، بحيث لا يوجد مسلم، وأما مع وجود مسلم فلا.

ولم يأت ما ادعيتموه من النسخ عن أحد ممن شهدوا التنزيل.

وقد قال بالأول ثلاثة من الصحابة، وليس ذلك فى غيره، ومخالفة الصحابة إلى غيرهم ينفر عنه أهل العلم ويقوى هذا أن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا حتى قال ابن عباس والحسن وغيرهما إنه لا منسوخ فيها وما ادعوه من النسخ لا يصح، فإن النسخ لابد فيه من إثبات الناسخ على وجه يتنافى الجمع بينهما مع تراخى الناسخ، ولا يمتنع اختلاف الحكم عن الضرورات ولأنه ربما كان الكافر ثقة عند المسلم ويرتضيه عند الضرورة فليس فيما قالوه ناسخ.

القول الثالث - أن الآية لا نسخ فيها.

قاله الزهرى والحسن وعكرمة ويكون معنى قوله تعالى ﴿منكم﴾ أى من عشيرتكم وقرابتكم، لأنهم أحفظ وأضبط وأبعد عن النسيان - ومعنى قوله ﴿أو آخران من غيركم﴾ أى من غير العشيرة والقرابة، وقد نقل القرطبى عن أبى جعفر التماس مناقشة هذا التفسير.

ثم قال على أنه قد عورض هذا القول بأن فى أول الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فالخطاب لجماعة المؤمنين فيكون قوله منكم من المؤمنين المخاطبين فى الآية وقوله من غيركم من غير المؤمنين ولم يجر للعشيرة ولا للقرابة ذكر مطلقا.

فتاوى دار الإفتاء المصرية · الجزء ٧ · الصفحة ٤٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتاوى دار الإفتاء المصريةج ٧ · ص ٤٣٦