وأن كل ما كان من باب القمار فهو ميسر بهذه الآية.
ولقد سئل (أحكام القرآن للجصاص ج - 1 ص 288) الإمام على بن أبى طالب عن رجل قال لرجل إن أكلت كذا وكذا بيضة فلك كذا وكذا، فقال على كرم الله وجهه هذا قمار ولم يجزه.
ويحرم الميسر والقمار كذلك باعتبارهما أكلا لأموال الناس بالباطل.
المنهى عنه فى القرآن (الآية 188 من سورة البقرة و 29 من سورة النساء) ذلك لأن أكل الأموال بالباطل كما عبر القرآن يتأتى فى صورتين إحداهما أخذ المال بطريق محضور وبرضاء صاحبه كالربا والقمار، والصورة الأخرى أخذ المال بغير رضاء صاحبه وعلى وجه القسر والظلم والخفية، كالغصب والسرقة والخيانة.
وشهادة الزور واليمين الكاذبة ونحو هذا مما حرم الله سبحانه.
فالمراد من النهى عن أكل أموال الناس بالباطل.
ما يعم الأخذ والاستيلاء وغيرهما عن طريق غير مشروع، وعبر القرآن بالأكل، لأنه أهم أغراض الانتفاع بالمال، وبين فى الآية الأولى إحدى وسائل الكسب الحلال، وهى التجارة القائمة عن تراض بين المتعاملين.
ويلحق بالتجارة كل أسباب التملك التى أباحها الشارع، كالإرث والهبة والصدقة وتملك المنافع بالإجارة والإعارة، والمراد بكلمة (الباطل) فى هاتين الآيتين - والله أعلم - ما كان بدون ماقبلة شىء حقيقى، حيث حرمت الشريعة أخذ المال بدون مقابل حقيقى يعتد به ورضاء من يؤخذ منه، وكذلك إنفاقه فى غير وجه حقيقى نافع.
ويدخل فى هذا التعدى على الناس بأخذ المنفعة بدون مقابل أو إنقاص الأجر المسمى، أو أجر المثل والغش والاحتيال والتدليس والقمار والمراهنات.
لما كان ذلك كان الرهان والقمار فوق أنهما من المحرمات باعتبارهما من أفراد الميسر محرمين كذلك، باعتبارهما من نوعيات أكل أموال الناس بالباطل، أى بلا مقابل حقيقى.
أما قوله تعالى فى سورة البقرة بعد آية المداينة ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته وليتق الله ربه﴾ البقرة 283، أما هذه فليست من هذا الباب، إذ الرهان فى هذه الآية (الجامع لحكام القرآن للقرطبى ج - 2 ص 408 - 410) من الرهن.
بمعنى احتباس العين وثيقة بالحق، ليستوفى الحق من ثمنها أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذها من الغريم.
ومما تقدم يتقرر أن كل ما كان من تعامل على سبيل المخاطرة، بين شخصين أو أشخاص، بحيث يغنم بعضهم فى تقدير، ويغرم من ماله على تقدير آخر.
قمار. ثم هل الرهان على الخيول المتسابقة من القمار المحرم الذى يستفاد مما سلف - وحسبما جاء فى كتب المفسرين والفقهاء - أن الرهان والقمار من الميسر المحرم إلا ما استثناه الشارع وأجازه لدوافع مشروعة.
فالرهان بمال، إنما يكون مشروعا، فيما دل الدليل على الإذن به كالتسابق بالخيل والإبل والرمى والأقدام وفى العلوم، وقد شرع هذا وأجيز للحاجة إليه لتعلم الفروسية وإعداد الخيل للحرب، وللخبرة والمهارة فى الرمى وللتفقه فى الدين وغيره من العلوم النافعة للإنسام فى حياته.
والسند فى إجازة التسابق فى هذا حديث (نيل الأوطار للشوكانى ج - 8 ص 77 وما بعدها فى أبواب السبق والرمى) أبى هريرة رضى الله عنه الذى رواه الخمسة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا سبق إلا من خف أو نصل أو حافر) ولم يذكر فيه ابن ماجه.
(أو نصل) أى فى الخيل والإبل والسلاح. وحديث (المرجع السابق) ابن عمر (أن النبى صلى الله عليه وسلم سبق بالخيل وراهن) وفى لفظ (سبق بين الخيل وأعطى السابق) رواهما أحمد - وحديث (المرجع السابق) أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال (من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فهو قمار) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
هذه الأحاديث وغيرها مما ورد فى هذا الباب.
استدل بها الفقهاء على جواز السباق على جعل (جائزة) (أحكام القرآن للجصاص ج - 1 ص 388 والفتوى رقم 321 سجل 46) فى الأحوال الآتية الأولى أن يكون الجعل أو الجائزة مقررة من غير المتسابقين كالإمام (ولى الأمر) وذلك بلا خلاف من أحد - وإن كانت الجائزة أو الجعل من أحد المتسابقين جاز ذلك عند جمهور الفقهاء.