هل يلزمه التمذهب بمذهب والأخذ برخصة وعزائمه.
فيه وجهان أشهر هما لا - كجمهور العلماء فيتخير. ونقل عن بعض الحنابلة أنه قال وفى لزوم الأخذ برخصة وعزائمه طاعة غير النبى صلى الله عليه وسلم فى كل أمره ونهيه وهو خلاف الإجماع وتوقف فى جوازه، وقال أيضا إن خالفه فى زيادة علم أو تقوى فقد أحسن ولم يقدح فى عدالته بلا نزاع بل يجب فى هذه الحال وأنه نص أحمد، وكذا قال القدورى الحنفى ما اظنه أقوى عليه تقليده فيه - - انتهى - - ثم قال ابن أمير حاج بعد نقل هذا (وقد انطوت القرون الفاضلة على عدم القول بذلك - بل لا يصح للعامى مذهب ولو تمذهب به لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال وبصر بالمذاهب على حسبه أو لمن قرأ كتابا فى فروع ذلك المذهب وعرف فتاوى إمامه وأقواله.
وأما من لم يتأهل لذلك البتة بل قال أنا حنفى أو شافعى أو غير ذلك لم يصر كذلك بمجرد القول، كما لو قال أنا فقيه أو نحوى أو كاتب لم يصر كذلك بمجرد قوله يوضحه أن قائله يزعم أنه متبع لذلك الإمام سالك طريقه فى العلم والمعرفة والاستدلال، فأما مع جهله وبعده جدا عن سيرة الإمام وعلمه بطريقه فكيف يصح ل الانتساب إليه إلا بالدعوى المجردة والقول الفارغ من المعنى) انتهى - ولذلك اشتهر قولهم العامى لا مذهب له، ففى البحر فى باب قضاء الفوائت (وان كان عاميا ليس له مذهب معين فمذهبه فتوى مفتيه وإن لم يستفت أحدا وصادف الصحة على مذهب مجتهد أجزأه) - انتهى - - ومما تقدم يعلم انه لا يجب تقليد مجتهد معين، وأن التلفيق بمعنى العمل بقول مجتهد فى مسألة وبقول آخر فى أخرى لضرورة ولغيرها فى العبادات والمعاملات جائز تخفيفا ورحمة بالأمة.
الرجوع عن التقليد وليس للعامى إذا قلد مجتهدا فى مسألة واتصل عمله بها الرجوع عنها وتقليد غيره فيها.
لأن الرجوع عن التقليد بعد العمل باطل اتفاقا لما فيه من إبطال عين فعله وهو غير جائز.
لأن إمضاء الفعل كإمضاء القاضى لا ينقض أما قبل العمل كما إذا استفتى مجتهدا وعرف حكم المسألة منه ثم استفتى آخر فيها وعرف الحكم منه فله أن يعمل بقول أى واحد منهما.
نص على ذلك الآمدى وابن الهمام فى التحرير وصاحب جمع الجوامع ومسلم الثبوت وغيرهم من علماء الأصول.
جواز تتبع الرخص وينبنى على جواز التلفيق فى التقليد بالمعنى المتقدم أولا.
جواز اتباعه رخص المذاهب فى المسائل المختلفة كما ذهب إليه الجمهور، فيعمل بأمرين متضادين فى حادثتين لا تعلق لواحدة منهما بالأخرى.
كما إذا توضأ مراعيا الشرائط على مذهب الشافعى ثم فى وضوء آخر راعى الشرائط على مذهب أبى حنيفة، لأن للمكلف أن يسلك الأخف عليه إذا كان له إليه سبيل بأن لم يكن قد عمل بقول مجتهد آخر فى ذات المسألة التى يريد التقليد فيها لما علمت من أنه ليس للمقلد الرجوع بعد العمل بقول أحد المجتهدين فى حادثة إلى قول مجتهد آخر فيها.
قال فى التحرير فى شرحه (ويتخرج منه أى من كونه لم يلتزم مذهبا معينا جواز اتباعه رخص المذاهب أى أخذه من كل منها ما هو الأهون فيما يقع من المسائل) ومثله فى مسلم الثبوت أما ما نقل عن ابن عبد البر من أنه لا يجوز للعامى تتبع الرخص إجماعا فليس على إطلاقه.
إذ قد روى عن الإمام أحمد فى هذا روايتان، وحمل القاضى أبو يعلى الرواية التى تقول بفسق متتبع رخص المذاهب على غير متأول ولا مقلد - فالقصد التيسير على الناس فمن توضأ على مذهب أبى حنيفة له أن يصلى بهذا الوضوء على مذهب الشافعى وبالعكس.
فالتلفيق على هذا الوجه جائز لعدم اتحاد المسألة التى لفق فيها، ولأنه لا يلزم المقلد استفتاء مفت معين على ما أسلفنا بيانه.
ومن هذا يعلم أن تتبع رخص المذاهب بأن يأخذ المقلد بقول المذاهب فى المسائل المتعددة جائز.
أما إذا اتحدت المسألة حقيقة أو حكما فلا يجوز كما حققه الكمال فى التحرير وصاحب مسلم الثبوت فى باب الإجماع.