( وإيتاء الزكاة ) أي إعطائها وتمليكها لمصارفها ، والمراد بها الصدقة المكتوبة .
( والحج ) بفتح الحاء وكسرها مصدران ، وفي رواية : ( وحج البيت ) أي قصده لأداء النسك ، فاللام عوض عن المضاف إليه ، وقيل : اللام للعهد الذهني والواو لمطلق الجمع ، فلا يرد أن الصوم فرض قبل الزكاة وهي قبل الحج ، ولعل النكتة في التقديم الذكري هي الإشارة إلى أن العبادة إما بدنية فقط ، أو مالية فقط ، أو مركبة منهما ، أو إيماء إلى أن الطاعة المثلثة إما يومية أو سنوية أو عمرية ؛ ولم يذكر الإستطاعة لشهرتها ، أو لاعتبارها في كل طاعة .
( وصوم رمضان ) أي أيامه بشرائط وأركان معلومة ، قيل : فيه حذف شهر ، وفيه أن رمضان اسم للشهر وقوله تعالى : 16 ( ﴿ شهر رمضان ﴾ ) [ البقرة 185 ] إضافته بيانية ، وقد ورد في بعض الروايات تقديمه على الحج وكلاهما صحيح لما تقدم ولذا قدم البخاري كتاب الحج على الصوم ، والجمهور أخروه عن جميع العبادات لكون وجوبه يتعلق بآخر العمر . قال النووي : ( ذكر البخاري هذا الحديث في مفتتح كتاب الإيمان ليبين أن الإسلام يطلق على الأفعال ، وأن الإسلام والإيمان قد يكونان بمعنى واحد ) ، وقال ابن حجر : ( وجه ذكر الأربعة الأخيرة مع الشهادتين ، وإن توقف الدخول في الإسلام عليهما فقط التنبيه على تعظيم شأنها ، وأنها أظهر شعائر الإسلام ، إذ بها يتم الإستسلام ، وبترك بعضها ينحل قيد الإنقياد ، وإن لم يؤد إلى كفر حيث لا إنكار إجماعاً إلا ما جاء عن أحمد وغيره في ترك الصلاة فإنه لدليل خاص كقوله عليه الصلاة والسلام : ( من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر ) ، ولم يذكر الجهاد لأنه فرض كفاية إلا في بعض الأحوال ، والكلام في فروض العين التي هي أعظم شعائر الإسلام ، ولهذا زيدفي آخره في رواية : ( وأن الجهاد من العمل الحسن ) ، قيل : وجه الحصر في تلك الخمسة أن العبادة إما فعل أو ترك ، الثاني الصوم ، والأوّل إما لساني وهو الشهادتان أو بدني وهو الصلاة ، أو مالي وهو الزكاة ، أو مالي وبدني وهو الحج وقدمت الشهادتان لأنهما الأصل ، ثم الصلاة لأنها العماد الأعظم ومن ثم جاء في حديث : ( وعمودها الصلاة ) ، وفي حديث : ( الصلاة عماد الدين ) ، وقال تعالى : 16 ( ﴿ إنَّ الصَلاَةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنكَر ﴾ ) [ العنكبوت 45 ] ولذا سميت أم العبادات كما سميت الخمر أم الخبائث ، ثم الزكاة لأنها قرينتها في مواضع من القرآن وللمناسبة البدنية والمالية في القرآن ، ثم الحج لكونه مجمعاً للعبادتين ومحلاً للمشقتين ، ولأن تاركه من غير عذر على مدرجة خاتمة السوء كما يدل عليه الحديث الذي اختلف في ضعفه وصحته : ( من استطاع الحج فلم يحج فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً ) ، ويدل على أصالة الحديث قوله تعالى : 16 ( ﴿ ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ﴾ ) [ آل عمران 97 ] حيث وضع من كفر موضع من لم يحج مع إفادة مبالغة التهديد في قوله : 16 ( ﴿ عن العالمين ﴾ ) حيث عدل