( وإن فضل العالم ) أي الغالب عليه العلم وهو الذي يقوم بنشر العلم بعد أدائه ما توجه إليه من الفرائض والسنن المؤكدة ( على العابد ) أي الغالب عليه العبادة وهو الذي يصرف أوقاته بالنوافل مع كونه عالماً بما تصح به العبادة ( كفضل القمر ليلة البدر ) أي ليلة الرابع عشر وبه أوّل طه على حساب الجمل ، وأريد به النبي ، يعني المشبه به في نهاية النور وغاية الظهور فيكون فيه تلميح إلى قوله : ( كفضلي على أدناكم ) كما في قوله ( على سائر الكواكب ) إيماء إلى قوله : ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) فإن نور المؤمن ولو كان عابداً ضعيف إذا لم يكن عالماً ، وإنما حملنا الكلام على من غلب عليه أحد الوصفين لا على عالم فقط وعابد فقط لأن هذين لا فضل لهما بل إنهما معذبان في النار لتوقف صحة العمل على العلم وكمال العلم على العمل ، بل ورد : ( ويل للجاهل مرة وويل للعالم سبع مرات ) وورد : ( أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ) لأنه يكون حينئذ ضالاً مضلاً ، وقال القاضي : شبه العالم بالقمر والعابد بالكواكب لأن كمال العبادة ونورها لا يتعدى من العابد ، ونور العالم يتعدى إلى غيره فيستضىء بنوره المتلقي عن النبي ، كالقمر يتلقى نوره من نور الشمس من خالقها عزَّ وجلّ .
( وإن العلماء ورثة الأنبياء ) وإنما لم يقل : ورثة الرسل ليشمل الكل قاله ابن الملك ، يعني فإن البعض ورثة الرسل كأصحاب المذاهب والباقون ورثة الأنبياء على اختلاف مراتبهم ( وإن الأنبياء لم يورثوا ) بالتشديد ( ديناراً ولا درهماً ) أي شيئاً من الدنيا وخصا لأنهما أغلب أنواعها ، وذلك إشارة إلى زوال الدنيا ، وأنهم لم يأخذوا منها إلا بقدر ضرورتهم ، فلم يورثوا شيئاً منها لئلا يتوهم أنهم كانوا يطلبون شيئاً منها يورث عنهم على أن جماعة قالوا : إنهم كانوا لا يملكون مبالغة في تنزههم عنها ، ولذا قيل : الصوفي لا يملك ولا يملك ، وفيه إيماء إلى كمال توكلهم على الله تعالى في أنفسهم وأولادهم ، وإشعار بأن طالب الدنيا ليس من العلماء الورثة ، ولذا قال الغزالي : أقل العلم بل أقل الإيمان أن يعرف أن الدنيا فانية ، وأن العقبى باقية ، ونتيجة هذا العلم أن يعرض عن الفاني ويقبل على الباقي ، قال ابن الملك : خصوا الدرهم بالذكر لأن نفي الدينار لا يستلزم نفيه ، وفيه أنه لا تخصيص هنا والعطف يدل على المغايرة ، وإنما زيدت لا لتأكيد النفي وإرادة المبالغة . ثم قال : ولا يرد الإعتراض بأنه عليه الصلاة والسلام كان له صفايا بني النضير وفدك وخيبر إلى أن مات وخلفها ، وكان لشعيب عليه الصلاة والسلام أغنام كثيرة ، وكان أيوب وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام ذوي نعمة كثيرة ، لأن المراد أنه ما ورثت أولادهم وأزواجهم شيئاً من ذلك بل بقي بعدهم معداً لنوائب المسلمين . ا ه . ويذكر عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه مر يوماً في السوق بقوم مشتغلين بتجاراتهم فقال : أنتم ههنا وميراث رسول الله يقسم في المسجد ، فقاموا سراعاً إليه فلم يجدوا فيه إلا القرآن والذكر ومجالس