على القياس ، ويمكن جعل الواو بمعنى أو لتجتمع الروايات ( أو رجل في غنيمة ) أي في معاشه ، والظرف متعلق به إن جعل مصدراً ، أو بمحذوف هو صفة لرجل ، وغنيمة تصغير غنم ، وهو مؤنث سماعي ولذلك صغرت بالتاء ، والمراد قطعة غنم ( في رأس شعفة ) بفتحتين أي رأس جبل ( من هذه الشعف ) يريد به الجنس لا العهد ، ( أو بطن واد ) أي في بطن واد ( من هذه الأودية يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ) أي إن كانت عليه ( ويعبد ربه ) تعميم بعد تخصيص ( حتى يأتي اليقين ) أي الموت سمي به لأنه لا شك في تحقيق وقوعه . وقال الغزالي : ( الموت يقين يشبه الشك ) ( ليس ) أي كل واحد من الرجلين أو الثاني ، وهو أقرب ( من الناس ) أي من أمورهم ( إلا في خير ) أي في أمر خير . قال الطيبي : قوله هذه في الموضعين للتحقير نحو قوله تعالى : 16 ( ﴿ وما هذه الحياة الدنيا ﴾ ) [ العنكبوت 64 ] ومن ثم صغر غنيمة وصفاً لقناعة هذا الرجل بأنه يسكن في أحقر مكان ، ويجتزىء بأدنى قوت ، ويعتزل الناس شره ، ويستكفي شرهم عن نفسه ، ويشتغل بعبادة ربه حتى يجيئه الموت ، وعبر عن الموت باليقين ليكون نصب عينه مزيداً للتسلي ، فإن في ذكرها ذم اللذات ما يعرضه عن أغراض الدنيا ، ويشغله عن ملاذها بعبادة ربه ألا ترى كيف سلى حبيبه صلوات الله عليه وسلامه حين لقي ما لقي من أذى الكفار بقوله : 16 ( ﴿ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ﴾ ) [ الحجر 97 ] إلى قوله : 16 ( ﴿ ( حتى يأتيك اليقين ) ﴾ ) [ الحجر 99 ] قال النووي : في الحديث دليل لمن قال بتفضيل العزلة على الخلطة ، وفي ذلك خلاف مشهور ، فمذهب الشافعي وأكثر العلماء أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من الفتن ، ومذهب طواف من الزهاد أن الاعتزال أفضل ، واستدلوا بالحديث . وأجاب الجمهور بأنه محمول على زمان الفتن والحروب ، أو فيمن لا يسلم الناس منه ولا يصبر على أذاهم ، وقد كانت الأنبياء صلوات الله عليهم وجماهير الصحابة والتابعين والعلماء والزهاد مختلطين ، ويحصلون منافع الاختلاط بشهود الجمعة ، والجماعة ، والجنائز ، وعيادة المريض ، وحلق الذكر ، وغير ذلك . قال الطيبي : وفي تخصيص ذكر المعاش تلميح ، فإن العيش المتعارف من أنباء الدهر هو استيفاء اللذات والانهماك في الشهوات كما سميت البيداء المهلكة بالمفازة ، والمنجاة واللديغ بالسليم ، وتلميح إلى قوله : ( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ) وفيه أن لا عيش ألذ وأمر أو أشهى وأهنأ مما يجد العبد من طاعة ربه ، ويستروح إليها حتى يرفع تكاليفها ومشاقها عنه ، بل إذا فقدها كان أصعب عليه مما إذا أوتر أهله وماله ، وإليه ينظر قوله : ( أرحنا يا بلال ) [ وقوله ] : ( وجعل قرة عيني في الصلاة ) وتعريض بذم عيش الدنيا ، وجماع معنى الحديث الحث على مجاهدة أعداء الدين ، وعلى مخالفة النفس ، والشيطان ، والإعراض عن استيفاء اللذات العاجلة . ( رواه مسلم ) .
_المفاتيح_شرح_مشكاة_المصابيح_ط_أخرى · الصفحة ٣٥٧٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
_المفاتيح_شرح_مشكاة_المصابيح_ط_أخرىص ٣٥٧٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي