زوال الجبل عن مكانه دون الخلق المقدر عما قدر عليه . ا ه . فإن قلت مدار الصوفية على تبديل الأخلاق فكيف هذا الحديث ؟ قلت : التحقيق أن كل أحد خلق وطبع فيه الأخلاق جميعها وهي صالحة بأصلها أن تكون حميدة وأن تكون ذميمة ، وإنما تحمد إذا كانت متوسطة بين طرفي الإفراط والتفريط والذميمة ضدها ؛ فمثلاً السخاوة صفة معتدلة بين الإسراف والبخل ، وكذا الشجاعة بين التهوّر والجبن ، وكذا التواضع بين الضعة والتكبر ، والغالب على الناس [ عادة ] عدم الإعتدال ، فالصوفية يجاهدون ويرتاضون في الأخلاق ليبدلوها عن مقتضى العادة ويعدلوها على سنن الإستقامة والعبادة ، ولذا قيل : الإرادة ترك العادة ، ومن جملتها [ البغض ] وحالة اعتداله المحمود أن يكون في محله المرضي عند الله على القدر المحدود في الشرع ، وكذلك ضده المحبة . ولذا قال : ( من أحب لله وأبغض لله فقد استكمل إيمانه ) ، وأما إزالة صفة البخل من أصلها بالكلية فغير ممكنة إلا بالجذبة الإلهية ، ولذا قال تعالى : 16 ( ﴿ قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتوراً ﴾ ) [ الإسراء 100 ] أي بخيلاً ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( لو كان لابن آدم واديان من ذهب لأبتغى ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب ) ، بل قيل : لو أزيلت الصفات الذميمة بالكلية عن الإنسان يكون ناقصاً إذ كماله أن تغلب صفاته الحميدة وبهذا فضل نوع الإنسان على نوع الملك والله أعلم . والحاصل : أن التبديل الأصلي الذاتي غير ممكن كما أشار إليه الحديث النبوي ، وأما التبديل الوصفي فهو ممكن ، بل العبد مأمور به ويسمى تهذيب النفس وتحسين الأخلاق . قال تعالى : 16 ( ﴿ قد أفلح من زكاها ﴾ ) [ الشمس 9 ] وفي الحديث : ( حسنوا أخلاقكم ) ، وفي الدعاء : ( اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي ) ، ( واللهم اهدني لصالح الأعمال والأخلاق لا يهدى لصالحها إلا أنت ) ، ومن أراد الإستيفاء فعليه بالأحياء . ويمكن أن يقال إن الخلق المبرم لا يبدل والخلق المعلق يغير وهو مبهم عندنا معلوم عند الله فعلينا المجاهدة ، فكل ميسر لما خلق له . ولهذا ترى كثيراً من المرتاضين لم تحسن أخلاقهم في أزمنة طويلة وبعضهم تبدل أخلاقهم الذميمة بالحميدة في مدة قليلة ، أو النفي محمول على العادة من غير حصول الأسباب العادية والإثبات على خرقها ، وهو تارة يكون بالجذبة الإلهية ، وتارة بالرياضات النفسية ، وتارة بالعلوم والمعارف الربانية . قال ابن حجر : وفي الحديث إشارة إلى أنه ينبغي استحضار هذا في النظر للخلق بعد وقوع الأفعال منهم حتى تقام أعذارهم في كثير من أحوالهم التي لا يترتب على إقامتها فيها محذور ، فإن كلا يجري في تيار ما قدر له لا يخرج عنه مثقال ذرة في حركاته وسكناته . ( رواه أحمد ) وكذا ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردوديه في تفاسيرهم كلهم من طريق أبي جعفر الراوي عن الربيع عن أنس عن أبي العالية عن
_المفاتيح_شرح_مشكاة_المصابيح_ط_أخرى · الصفحة ٢٦٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
_المفاتيح_شرح_مشكاة_المصابيح_ط_أخرىص ٢٦٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي