ويدل عليه قوله : ( كان ) أي عيسى ( في تلك الأرواح فأرسله ) أي روحه ، وهو يذكر ويؤنث ، يعني مع جبريل عليه الصلاة والسلام ( إلى مريم عليهما السلام ) بصيغة التثنية والصحيح ( فحدث ) بصيغة المجهول ، أي روي ( عن أبيّ أنه دخل ) أي الروح إلى جوفها ثم رحمها ، وإنما ذكر الروح بتأويل المنفوخ أو عيسى كذا قاله الطيبي . وفي القاموس الروح بالضم ما به حياة الأنفس ويؤنث . ا ه . فجعل التذكير أصلاً كما هو الأصل في اللفظ . ( من فيها ) ) أي من فمها كذا قاله الأبهري ، وهو إشارة إلى قوله تعالى : 16 ( ﴿ فنفحنا فيه ﴾ ) [ التحريم 120 ] أي في فيها ، وقرأ ابن مسعود 16 ( ﴿ فيها ﴾ ) أي في مريم ، وهو يحتمل أن يكون المراد في فمها ، أو في جيب درعها ، ويجمع بينهما بفرض ثبوتهما بأن بعض تلك النفخة دخلت من جيبها وبعضها من فمها . وتخصيص عيسى وتقييده بقوله : ( دخل من فيها ) تسجيل على النصارى بركاكة عقولهم ، أي كيف يتخذ إلاهاً من دون الله من هذا حاله [ كذا ] قاله الطيبي . ونظيره قوله تعالى : 16 ( ﴿ كانا يأكلان الطعام ﴾ ) [ المائدة 75 ] قيل : هو كناية عن يبولان ويغوطان ( رواه أحمد ) .
( 123 ) ( وعن أبي الدرداء قال : ( بينما نحن عند رسول الله نتذاكر ) أي مع رسول الله ، أو مع بعضنا بحضرته وهو يسمع ( ما يكون ) ما موصولة ، أي الذي يحدث من الحوادث أهو شيء مقضي مفروغ منه فتوجد تلك الحوادث على طبقة ، أو شيء يوجد أنفاً من غير سبق قضائه ؟ ( إذ قال رسول الله : إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوه ) أي لامكانه ، بل حكى وقوعه كما قيل : إن بعض جبال المغرب سار عن محله مسافة طويلة . ( وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه ) بضم اللام وتسكن ، أي خلقه الأصلي بالكلي ( فلا تصدقوا به ) أي بالخبر عنه بذلك فإنه غير ممكن عادة ، ولذا قال تعالى : 16 ( ﴿ والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ﴾ ) [ آل عمران 134 ] ولم يقل والعادمين له . ( فإنه ) أي الرجل ، والمراد به الجنس ( يصير ) في كل ما يريد أن يفعله ويحدثه ( إلى ما جبل ) أي خلق وطبع ( عليه ) من الأخلاق ، قال ابن حجر : أي على وفق ما سبق به القضاء والقدر الذي لا يمكن أن يبدل ويغير ، فالكيس مثلاً لا يصير بليداً ، والسخي لا يصير بخيلاً ، والشجاع لا يصير جباناً وعكسها . وهذا مثال تقريبي باعتبار استبعاد العادة لزوال الجبل عن مكانه استبعاداً يلحقه بالمحال العقلي ، وحينئذ فلا يقدح في ذلك إمكان