تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| ولما قدم البصرة نادى مناد يعلمهم بقدومه ، فأحدقوا به وسألوه أن يعقد لهم مجلس الإملاء ، فأجابهم فنادى المنادي يعلمهم أنه أجاب ، فلما كان من الغد اجتمع كذا وكذا ألفاً من المحدثين والفقهاء ، فأول ما جلس قال : ( ( يا أهل البصرة أنا شاب وقد سألتموني أن أحدثكم ، وسأحدثكم أحاديث عن أهل بلدكم تسفيدونها ) ) يعني ليست عندكم وأملى عليهم من أحاديث أهل بلدهم مما ليس عندهم حتى بهرهم . ومن ثم كثر ثناء الأئمة عليه ، حتى صح عن أحمد ابن حنبل أنه قال : ( ( ما أخرجت خراسان مثله ) ) ، وقال غير واحد : ( ( هو فقيه هذه الأمة ) ) ، وقال إسحاق بن راهويه : ( ( يا معشر أصحاب الحديث انظروا إلى هذا الشاب واكتبوا عنه ، فإنه لو كان في زمن الحسن البصري لأحتاج إليه لمعرفته بالحديث وفقهه ) ) . وقد فضله بعضهم في الفقه والحديث على أحمد وإسحاق ، وقال ابن خزيمة : ( ( ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث منه ) ) . وورث من أبيه مالاً كثيراً فكان يتصدق به ، وكان قليل الأكل جداً . قيل : كان يقنع كل يوم بلوزتين أو ثلاث لوزات ، وقيل : لم يأكل الإدام أربعين سنة ، قيل : كان يدخل عليه كل شهر من مستغلاته خمسمائة درهم ، فكان يصرفها في الفقراء وطلبة العلم ، وكان يرغبهم في تحصيل الحديث ، كثير الإحسان إلى الطلبة ، مفرطاً في الكرم ، وأعطى خمسة آلاف درهم ربح بضاعة له فأخر ، فأعطاه آخرون عشرة آلاف ، فقال : إني نويت بيعها للأولين ولا أحب أن أغير نيتي . وعثرت جاريته بمحبرة بين يديه فقال لها : كيف تمشين ؟ ، فقالت : إذا لم يكن طريق كيف أمشي ؟ فقال : ( ( اذهبي فأنت حرة لله ، فقيل له : يا أبا عبد الله أغضبتك فأعتقتها ، فقال : أرضيت نفسي بما فعلت . ولما نبي رباطاً مما يلي بخاري أجتمع إليه خلق كثير يعينونه ، فكان ينقل معهم اللبن ، فيقال [ قد ] كفيت ، فقال : هذا هو الذي ينفعني . ولما رجع إلى بخاري نصبت له القباب على فرسخ منها واستقبله عامة أهلها ونثر عليه الدراهم والدنانير ، وبقي مدة يحدثهم وأرسل إليه أمير البلد خالد بن محمد الذهلي نائب الخلافة العباسية يتلطف معه ، ويسأله أن يأتيه بالصحيح ويحدثهم به في قصره ، فامتنع وقال لرسوله : ( ( قل له إني لا أذل العلم ، ولا أحمله إلى أبواب السلاطين ، فإن احتاج إلى شيء منه فليحضر في مسجدي أو داري ، فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطأن فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة ، فإني لا أكتم العلم ) ) . وروي أنه قال : ( ( العلم يؤتي ولا يأتي ) ) فراسله أن يعقد مجلساً لأولاده ، ولا يحضر غيرهم ، فامتنع من ذلك أيضاً ، وقال : ( ( لا يسعني أن أخص بالسماع قوماً دون قوم ) ) . وروي انه قال : ( ( العلم لا يحل منعه ) ) ، فحصلت بينهما وحشة ، فاستعان الأمير بعلماء بخاري عليه حتى تكلموا في مذهبه ، فأمره بالخروج من البلد فدعا عليهم بقوله : ( ( اللهم أرهم ما قصدوني به في أنفسهم وأولادهم وأهاليهم ) ) ، فكان مجاب الدعوة ، فلم يأت شهر حتى ورد أمر الخلافة بأن ينادي على الأمير فأركب حماراً فنودي عليه فيها ، وحبس إلى أن مات ، ولم يبق أحد ممن ساعده إلا وابتلى ببليه شديدة . | ولما خرج من بخاري كتب إليه أهل سمرقند يخطبونه لبلدهم فسار إليهم ، فلما كان بخرتنك - بمعجمة مفتوحة في الأشهر أو مكسورة فراء ساكنة ففوقية مفتوحة فنون ساكنة فكاف

_المفاتيح_شرح_مشكاة_المصابيح_ط_أخرى · الصفحة ٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_المفاتيح_شرح_مشكاة_المصابيح_ط_أخرىص ٢٠