تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الوحي بوجهه الذي في عالم القدرة من الله سبحانه تلقفاً روحانياً ، أو من اللوح ويلقيه بوجهه الذي في عالم الحكمة إلى النبي ، فربما ينزل الملك إلى صورة البشر وربما يرتقي النبي إلى رتبة الملكية ، ويتعرى عن الكسوة البشرية فيرد الوحي على القلب في لبسة الجلال وأبهة الكبرياء والكمال ويأخذ بمجامعه ، فإذا سُرِّيَ عنه وجد المنزل ملقى في الروع كما في المسموع ، وهذا معنى قوله : ( أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال ، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول ) . ثم جبريل بكسر الجيم وفتحها مع كسر الراء بعدها ياء وبفتحها وهمزة مكسورة مع ياء وتركها أربع لغات متواترات والأوّل أشهر وأكثر ( أتاكم ) استئناف بيان ، أو خبر لجبريل على أنه ضمير الشأن ( يعلمكم دينكم ) جملة حالية من الضمير المرفوع في أتاكم أي عازماً تعليمكم ، فهو حال مقدرة لأنه لم يكن وقت الإتيان معلماً ، أو مفعول له بتقدير اللام كما في رواية والمراد تثبيتهم على علمهم وتقريره بطريق السؤال والجواب ليتمكن غاية التمكن في نفوسهم ، لأن المحصول بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب ، وإسناد التعليم إليه مجاز لأنه السبب ، وأضاف الدين إليهم لأنهم المختصون بالدين القيم دون سائر الناس ، أو الخطاب مخصوص بالصحابة خصوصاً ، أو عموماً فإن سائر الناس يأخذون دينهم منهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، وفيه إيماء إلى أن الإيمان والإسلام والإحسان يسمى ديناً فقوله تعالى : 16 ( ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ ) [ آل عمران 190 ] المراد به الكامل ، وكذا قوله عزَّ وجلّ : 16 ( ﴿ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ﴾ ) [ آل عمران 85 ] ، وفي رواية : ( أراد أن تعلموا إذا لم تسألوا ) وفي أخرى : ( والذي بعث محمداً بالحق ما كنت بأعلم به من رجل منكم [ وإنه لجبريل ] ) وفي أخرى : ( ثم ولى فلما لم ير طريقه ) ، قال النبي : ( سبحان الله هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم ، خذوا عنه فوالذي نفسي بيده ما شبه عليّ منذ أتاني قبل مرتي هذه وما عرفته حتى ولى ) ( رواه مسلم ) أي عن عمر ، ورواه البخاري في كتاب الزكاة مع تغيير كذا قاله بعض شراح الأربعين ، وقال ابن حجر : ( ولم يخرجه البخاري عن عمر لاختلاف فيه على بعض رواته ) ، وقال السيد جمال الدين : وقد رواه البزاز في مسنده من طريق أنس بن مالك ، وأبو عوانة الإسفراييني في صحيحه من طريق جرير بن عبد الله البجلي ، والنسائي في سننه من طريق أبي ذر الغفاري ، وأحمد بن حنبل في مسنده من طريق ابن عباس ؛ وكل واحد من الطرق مشتمل على فوائد غزيرة وفرائد كثيرة لم توجد في طريق عمرو أبي هريرة . وهذا حديث جليل سُمي حديث جبريل ، وأم الأحاديث ، وأم الجوامع ، لأنه متضمن للشريعة والطريقة والحقيقة بياناً إجمالياً على الوجه الأتم الذي علم تفاصيلها من السنن النبوية والشرائع المصطفوية ، على صاحبها ألوف التحية ، كما أن فاتحة الكتاب تُسمى أم القرآن وأم الكتاب لاشتمالها على المعاني القرآنية والحكم الفرقانية بالدلالات الإجمالية ، فحديث إنما الأعمال

_المفاتيح_شرح_مشكاة_المصابيح_ط_أخرى · الصفحة ٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_المفاتيح_شرح_مشكاة_المصابيح_ط_أخرىص ٨٤