بالمعصية فله الحجة عليهم والسلام ) . فهذه رسالة يظهر عليها أنوار مشكاة النبوّة والرسالة .
ثم أعلم أن الإيمان بالقدر يستلزم العلم بتوحيد ذات الحق ؛ لأن إتيان المقدورات وأحكامها على ما هو حقها في أزمنة وأمكنة مخصوصة تدل على توحد الحكم بتقديرها المقتضي لتوحد المقدِّر والعلم بصفاته ، كسعة علمه ورحمته على العالمين وآثار قدرته وحكمته للمخلوقين ، ونفوذ قضائه فيهم والعلم بكمال صنعه وأفعاله ، وأن الحوادث مستندة إلى الأسباب الإلهية ، فيعلم أن الحذر لا يقطع القدر ولا ينازع أحداً في طلب شيء من اللذات ولا يأنس بها إذا وجدها ، ولا يغضب بسبب فوت شيء من المطالب ، ولا بوقوع شيء من المهارب ، قال الله تعالى : 16 ( ﴿ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم ﴾ ) [ آل عمران 153 ] ، وورد في الحديث : ( ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وما أخطأك لم يكن ليصيبك ) ، فيكون مستسلماً للحق فيما أراده من القضاء المطلق وحسن الخلق مع سائر الخلق ، قال بعض العارفين : ( إن الله قدر وجود مخلوقاته لمظاهر تجلي أسمائه وصفاته ، فلكل منها مقدار مقدر لمظاهر تجلي ما علمه الله له [ من ] الأسماء والصفات مما يليق به وهو مستعد له ، وبذلك يسبح [ له ] كما قال : 16 ( ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ ) [ الإسراء 44 ] ولكل ذرة لسانٌ ملكوتي ناطق بالتسبيح والتحميد تنزيهاً لصانعه وحمداً له على ما أولاه من مظهريتها للصفات الجمالية والجلالية ؛ فالأشياء كلها مقادير لأسماء الله تعالى وصفاته دون ذاته فإنه لا يسعها إلا قلب المؤمن : ( لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن ) ، ولذا قيل : ( قلب المؤمن عرش الله ) ، وقال أبو يزيد قدس سره : ( لو وقع العالم ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به ) . ( قال صدقت قال فأخبرني عن الإحسان ) قيل : أي المعهود ذهناً في الآيات القرآنية من قوله تعالى : 16 ( ﴿ للذين أحسنوا الحسنى ﴾ ) [ يونس 26 ] 16 ( ﴿ وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ﴾ ) [ الرحمن 60 ] 16 ( ﴿ وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ﴾ ) [ المائدة 53 ] والأظهر أن المراد به في الآيات ما اشتمل على الإيمان والإسلام وغيرهما من الأعمال والأخلاق والأحوال ، والمراد في الحديث المعنى الأخص فقيل : أراد به الإخلاص فإنه شرط في صحة الإيمان والإسلام . معاً لأن من تلفظ بالكلمة وجاء بالعمل من غير نية إلا لخلاص لم يكن إيمانه صحيحاً قاله في النهاية ، فكأن المخلص في الطاعة يوصل الفعل الحسن إلى نفسه والمرائي يبطل عمل نفسه . والإخلاص تصفية العمل من طلب عوض وغرض عرص ورؤية رياء ، والأظهر أن المراد به إحسان العمل وهو إحكامه وإتقانه ، وهو يشمل الإخلاص وما فوقه من مرتبة الحضور مع الله تعالى ، ونفي الشعور عما سواه ويدل عليه الجواب .
( قال أن تعبد الله ) أي توحده وتطيعه في أوامره وزواجره ، وفي رواية : ( أن تخشى الله ) ومآلهما واحد لأن العبادة أثر الخشية وهي منتجة للعبادة وهي الطاعة مع الخضوع والمذلة ، قال