آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة ، ولأنه مقدمته ، أو لأنه أخر عنه الحساب والجزاء ، وقيل : هو الأبد الدائم الذي لا ينقطع لتأخره عن الأوقات المحدودة وذلك بأن تؤمن بوجوده وبما فيه من البعث الجسماني والحساب والجنة والنار وغير ذلك مما جاءت به النصوص ، وفي رواية البخاري ( والبعث الآخر ) فهو تأكيد كأمس الذاهب ، أو لإفادة تعدده ؛ فإن الأول هو الإخراج من العدم إلى الوجود ، أو من بطون الأمهات إلى الدنيا ، والثاني البعث من بطون القبور إلى محل الحشر [ والنشور ] ، وفي أخرى له : ( وبلقائه وتؤمن بالبعث ) فاللقاء الإنتقال إلى دار الجزاء ، والبعث بعث الموتى من قبورهم وما بعده من حساب وميزان وجنة ونار ، وقد صرح بهذه الأربعة في رواية ، وقيل : اللقاء الحساب ، وقيل : رؤية الله تعالى ، وقيل : المراد بالبعث بعثة الأنبياء ( وتؤمن ) أي وأن تؤمن ( بالقدر ) بفتح الدال ويسكن ما قدره الله وقضاه وإعادة العامل إما لبعد العهد كقول الشاعر : % (
لقد علم الحي اليماني أنني %
إذا قلت أما بعد إني خطيبها ) %
أو لشرف قدره وتعاظم أمره وقع فيه الإهتمام لأنه محار الأفهام ومزال الأقدام ، وقد علم عليه الصلاة والسلام أن الأمة سيخوضون فيه وبعضهم يتقونه فاهتم بشأنه ثم قرره بالإبدال [ بقوله ] ( خيره وشره ) أي نفعه وضره ، وزيد في رواية : ( وحلوه ومره ) فإن البدل توضيح مع التوكيد المفيد للتعميم لتكرير العامل ، وعندي أن إعادة العامل هنا أفادت أن هذا المؤمن به دون ما سبق ، فإن من أنكر شيئاً مما تقدم كفر بخلاف من أنكر هذا فإنه لا يخرجه عن دائرة الإسلام فيكون بمنزلة التذييل والتكميل ، وأما قول ابن الملك : ( خيره وشره ) بدل بعض فغير ظاهر إلا أن يقال باعتبار كل من [ المعطوف ] والمعطوف عليه ، والأظهر أنه بدل الكل والرابطة بعد العطف ، والمعنى : تعتقد أن الله قدر الخير والشر قبل خلق الخلائق ، وأن جميع الكائنات متعلق بقضاء الله مرتبط بقدره . قال تعالى : 16 ( ﴿ قل كل من عند الله ﴾ ) [ النساء 78 ] وهو مريد لها لقوله تعالى : 16 ( ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصّعّد في السماء ﴾ ) [ الأنعام 125 ] فالطاعات يحبها ويرضاها بخلاف الكفر والمعاصي ، قال تعالى : 16 ( ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ ) [ الزمر 7 ] والإرادة لا تستلزم الرضا .
ثم القضاء هو الحكم بنظام جميع الموجودات على ترتيب خاص في أم الكتاب أوّلاً ثم في اللوح المحفوظ ثانياً على سبيل الإجمال ، والقدر تعلق الإرادة بالأشياء في أوقاتها وهو تفصيل قضائه السابق بإيجادها في المواد الجزئية المسماة بلوح المحو والإثبات ، كما يُسمى الكتاب بلوح القضاء ، واللوح المحفوظ بلوح القدر في وجه هذا تحقيق كلام القاضي . ولما