الإيمان والتصديق وإن كان مقدماً لأنه أساس قاعدة الإسلام لكن المقام يقتضي تقديم الإسلام لأنه دليل [ على ] التصديق ، وما جاء جبريل عليه السلام إلا لتعليم الشريعة ، وهو عليه الصلاة والسلام كان يحكم بالظاهر على مقتضى الحكم التدريجية ، فيبدأ بما هو الأهم ويترقى من الأدنى إلى الأعلى ، فيكون الإسلام مقدماً على الإيمان ، والإيمان على الإخلاص المعبر عنه بالإحسان ، وجاء في رواية للبخاري بتأخير الإسلام عن الإيمان لكن عن أبي هريرة لا عن عمر ؛ ففي إيراد الحديث بهذا اللفظ اعتراض فعلي من صاحب المشكاة على البغوي في المصابيح ، وفي رواية بتوسط الإحسان بينهما ، فقيل : إشارة إلى أن محله القلب فذكر في القلب ، والأظهر أن وجه التوسط أن له تعلقاً بكل من الطرفين ، وقال جماعة من المحققين : ( إن هذا التقديم والتأخير من الرواة لأن القضية واحدة فكان الواقع أمراً واحداً عبر الرواة عنه بأساليب مختلفة ) .
( قال الإسلام ) أعاده ووضعه موضع ضميره إرادة لوضوحه ( أن تشهد ) أي أيها المخاطب خطاباً عاماً ولم يقل : تعلم ، لأن الشهادة أبلغ في الإنكشاف من مطلق العلم ، ومن ثم لم يكف أعلم عن أشهد في أداء الشهادة ، وأن مصدرية والتقدير الإسلام شهادة ( أن ) وهي مخففة من المثقلة أي أنه والضمير للشأن ( لا إله ) لا هي النافية للجنس على سبيل التنصيص على نفي كل فرد من أفراده ( إلا الله ) قيل : خبر لا ، والحق أنه محذوف ، والأحسن فيه لا إله معبود بالحق في الوجود إلا الله . ولكون الجلالة اسماً للذات المستجمع لكمال الصفات وعلماً للمعبود بالحق قيل : لو بدل بالرحمن لا يصح به التوحيد المطلق ، ثم قيل : التوحيد هو الحكم بوحدانية الشيء والعلم بها ، وإصطلاحاً إثبات ذات الله بوحدانيته منعوتاً بالتنزه عما يشابهه اعتقاداً فقولاً وعملاً فيقيناً وعرفاناً فمشاهدةً وعياناً فثبوتاً ودواماً . قال الغزالي : ( للتوحيد لبان وقشران كاللوز ، فالقشرة العليا القول باللسان المجرد ، والثانية الإعتقاد بالقلب جازماً ، واللب أن ينكشف بنورالله سر التوحيد بأن يرى الأشياء الكثيرة صادرة عن فاعل واحد ، ويعرف سلسلة الأسباب مرتبطة بمسبباتها ، ولب اللب أن لا يرى في الوجود إلا واحداً ، ويستغرق في الواحد الحق غير ملتفت إلى غيره ) ( وأن محمداً رسول الله ) إيماء إلى النبوة ، وهما أصلان متلازمان في إقامة الدين ضرورة توقف الإسلام على الشهادتين . وظاهر الحديث يؤيد من قال : الإقرار شرط لإجراء الأحكام عليه ، وفي رواية البخاري : ( أن تعبد الله أي توحده ولا تشرك به شيئاً ) [ أي ] من الأشياء أو الإشراك . قال المحققون : مجرد التوحيد هو الإحتجاب بالجمع عن التفصيل ، وهو محض الجبر المؤدي إلى الإباحة ومجرد إسناد القول والفعل إلى الرسول وسائر الخلق احتجاب بالتفصيل عن الجمع الذي هو صرف القدرة المؤدي إلى التعطيل أو الثنوية ، والجمع بينهما هو الحق المحض . قال في العوارف : ( الجمع اتصال لا يشاهد