هذه القراءة فقد بلغني أن بعضهم يقول : أن قراءتي خير من قراءتك وهذا يكاد أن يكون كفراً ، قلت : فما ترى قال : أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد فلا يكون فرقة ولا اختلاف قلنا فنعم ما رأيت قال ابن التين : الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان أن جمع أبي بكر كان الخشية أن يذهب من القرآن شيء لذهاب حملته لأنه لم يكن مجموعاً في موضع واحدٍ فجمعه في صحائف مرتباً لآيات سورة على ما وقفهم عليه النبي وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراآت حين قرأوا بلغاتهم على اتساع اللغات ، فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض فخشي من تفاقم الأمر في ذلك فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتباً لسوره ، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجاً بأن نزل بلغتهم ، وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعاً للحرج والمشقة في ابتداء الأمر فرأى أن الحاجة إلى ذلك انتهت فاقتصر على لغة واحدة ، قلت : هذا يوم أنه ترك ما ثبت كونه قرآناً والصواب أن يقال كان في جمع أبي بكر المنسوخات والقراآت التي ما حصل فيها التواتر جمعاً كلياً من غير تهذيبٍ وترتيب فترك عثمان المنسوخات ، وأبقى المتواترات ، وحرر رسوم الكلمات ، وقرر ترتيب السور والآيات على وفق العرضة الأخيرة من العرضات المطابقة لما في اللوح المحفوظ ، وإن اختلف نزولها منجماً على حسب ما تقتضي الحالات والمقامات ، ولذا قال الباقلاني : لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في نفس القراءة وإنما قصد جمعهم على القراءة العامة المعروفة عن النبيِّ وإلغاء ما ليس كذلك وأخذهم بمصحفٍ لا تقديم فيه ولا تأخير إلى آخر ما ذكره والحاصل أن هذا المقدار على هذا المنوال هو كلام الله المتعال بالوجه المتواتر الذي أجمع عليه أهل المقال ، فمن زاد أو نقص منه شيئاً كفر في الحال ثم اتفقوا على أن ترتيب الآي توقيفي لأنه كان آخر الآيات نزولاً 16 ( ﴿ واتقوا يوماً ترجعون ( فيه ) إلى الله ﴾ ) [ البقرة 282 ] . فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الربا والمداينة ولذا حرم عكس ترتيبها بخلاف ترتيب السور ، فإنه لما كان مختلفاً فيه كرهت مخالفته لغير عذر ، ولما ورد أنه قرأ النساء قبل آل عمران لبيان الجواز أو نسياناً ليعلم الصحة به ، مع أن الأصح أن ترتيب السور توقيفي أيضاً وإن كانت مصاحفهم مختلفة في ذلك قبل العرض الأخيرة التي عليها مدار جمع عثمان ، فمنهم من رتبها على النزول ، وهو مصحف على أوله اقرأ فالمدثر فنون فالمزمل فتبت فالتكوير ، وهكذا إلى آخر المكي والمدني ، ومما يدل على أنه توقيفي ، كون الحواميم رتبت ولاء وكذلك الطواسين ولم يرتب المسبحات ولاء بل فصل بين سورها وكذا اختلاط المكيات بالمدنيات والله أعلم .
6