وفتحت باب الإضطراب لدينا ( فخشينا ) عليك أوّلاً وعلينا ثانياً ( أن تقتطع ) أي يقطعك أعداؤك عن أحبابك وتهلك ( دوننا ) أي من غير اطلاعنا ، أو دون أن نهلك بين يديك لأجلك ( ففزعنا ) أي لذلك وتسارعنا إلى تعرّف خبرك ( فكنت أوّل من فزع ) من المشتاقين وأوّل من قام من الخائفين ( فأتيت هذا الحائط ) بناء على ظني أنك فيه ( فاحتفزت ) لما لم أجد له باباً ( كما يحتفز الثعلب ) في تحصيل المطلب ( وهؤلاء الناس ورائي ) أي ينتظرون علم ما وقع لك ، وهو اقتباس من قوله تعالى حكاية عن موسى : 16 ( ﴿ هؤلاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى ﴾ ) [ طه 84 ] .
( فقال : يا أبا هريرة ) يقرأ بالهمز ولا يكتب ( وأعطاني نعليه ) الجملة حال وهو إشارة إلى [ البشارة ] للمحبين ( فقال : ) تأكيد للأوّل ( اذهب بنعليّ ) الباء للتعدية ( هاتين ) تأكيد للتنبيه ، ولعله عليه الصلاة والسلام حصل له التجلي الطوري في ذلك المقام النوري فخلع النعلين . وأعطى لأصحابه الكونين ، أو إيماء إلى ثباتهم على دينهم وبذلهم الجهد في السعي إليه بإقدامهم . وقال الطيبي : لعل فائدة بعثة النعلين الدلالة على صدقه وإن كان خبره مقبولاً بدون ذلك ، وتخصيصهما بالارسال إما لأنه لم يكن عنده غيرهما ، وإما للإشارة إلى أن بعثته وقدومه لم يكن إلا تبشيراً وتسهيلاً على الأمة ورفعاً للآصار التي كانت في الأمم السابقة ، وإما للإشارة إلى ثبات القدم والاستقامة بعد الاقرار كقوله عليه الصلاة والسلام : ( قل آمنت بالله ثم استقم ) والله أعلم بأسراره وأسرار أبراره . ( فمن لقيك ) أي رآك أو رأيته ( من وراء هذا الحائط ) قيد واقعي ، أو المراد إيمان غيبي يتميز به المخلص عن المنافق ( يشهد ) أي حال كونه ( أن لا إله إلا الله ) ويلزم منه شهادة أن محمداً رسول الله ( مستيقناً بها ) أي بمضمون هذه الكلمة ( قلبه ) أي منشرحاً بها صدره غير شاك ومتردد في التوحيد والنبوّة اللذين هما الإيمان الإجمالي ( فبشره بالجنة ) معناه أخبر أن من كان هذه صفته فهو من أهل الجنة ، وإلا فأبو هريرة لا يعلم استيقانهم ، وفي هذا دلالة ظاهرة لمذهب أهل الحق أن اعتقاد التوحيد لا ينفع دون النطق عند القدرة أو عند الطلب ، ولا النطق دون الاعتقاد بالإجماع بل لا بد منهما . غاية الأمر أن النطق فيه خلاف إنه شرط أو شطر [ و ] قد يسقط بعذر ، وذكر القلب هنا للتأكيد ونفي توهم المجاز وإلا فالاستيقان لا يكون إلا بالقلب كقوله : رأيت بعيني . ( فكان أوّل من لقيت ) أي من الناس ( عمر ) منصوب على أنه خبر كان ، وقيل : مرفوع على الأسمية وأوّل بالعكس ، قيل : وهو أولى لأنه وصف وهو بالخبرية أحرى ( فقال : ) مبادراً ( ما هاتان النعلان ) أي شأنهما