تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإستقامة امتثال كل مأمور واجتناب كل محذور فيدخل فيه أعمال القلوب والأبدان من الإيمان والإسلام والإحسان ، إذ لا تحصل الإستقامة مع شيء من الإعوجاج ، ولذا قالت الصوفية : ( الإستقامة خير من ألف كرامة ) ، أو تقول : ( آمنت بالله ) شامل للإتيان بكل الطاعات والإجتناب عن كل المنهيات ، وقوله : ( ثم استقم ) محمول على الثبات فيهما .

ولعظمة أمر الإستقامة قال عليه السلام : ( شيبتني سورة هود ) ، لأنه نزل فيها : 16 ( ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ ) ، وهي جامعة لجميع أنواع التكاليف . وقالت الصوفية : ( لأن الدعوة إلى الله مع كون المدعوّ على الصراط المستقيم أمر صعب لا يمكن إلا إذا كان الداعي على بصيرة يرى أنه يدعوه من اسم إلى اسم ) ، قال ابن عباس في قوله تعالى : 16 ( ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ ) [ هود 112 ] : ( ما نزل على رسول الله في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه الآية ) ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام لما قالوا له : قد أسرع إليك الشيب : ( شيبتني هود وأخواتها ) ، وقال الفخرالرازي : ( الإستقامة أمر صعب شديد لشمولها العقائد بأن يجتنب التشبيه والتعطيل ، والأعمال بأن يحترز عن التغيير والتبديل ، والأخلاق بأن يبعد عن طرفي الإفراط والتفريط ) ، وقال الغزالي : ( الإستقامة على الصراط فيس الدنيا صعب كالمرور على صراط جهنم ، وكل واحد منهما أدق من الشعر وأحد من السيف ) ا ه . ومما يؤيد صعوبة هذا المرقى خبر : ( استقيموا ولن تحصوا ) أي ولن تطيقوا أن تستقيموا حق الإستقامة ، ولكن اجتهدوا في الطاعة حق الإطاعة ، فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله . وفيه تنبيه نبيه على أن أحداً لا يظن بنفسه الإستقامة ، ولا يتوهم أنه خرج بالكلية من صفة النفس اللوّامة فيقع في العجب والغرور اللذين هما أقبح من كل ما يترتب عليه الملامة ، نسأل الله السلامة . وقد يقال : السين لطلب القيام والثبات على الحالات والمقامات في جميع الساعات إلى الممات ، ثم قد يقال : الحكمة في عدم الإطاقة على دوام الإطاعة أن تراب الإنسان عجن بماء النسيان الناشىء عنه العصيان ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام : ( كلكم خطاؤن وخير الخطائين التوّابون ) ؛ فجنس الإنسان كنوع النسوان التي خلقن من الضلع الأعوج ، فلا يتصوّر منهن الإستقامة على صفة الإدامة ، ( وكلٌ ميسرٌ لما خلق له ) ، ولا يزول طبع عما جبل عليه كما ورد في حديث الإشارة إليه هذا .

ولفظة ثم مستعارة للتراخي الرتبي ؛ لأن الإستقامة أفضل من قوله : ( آمنت بالله ) لشمولها العقائد والأعمال والأخلاق ذكره الزمخشري والإمام ، وهي لغة ضد الإعوجاج أي الإستواء في

_المفاتيح_شرح_مشكاة_المصابيح_ط_أخرى · الصفحة ١١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_المفاتيح_شرح_مشكاة_المصابيح_ط_أخرىص ١١٢