جهل *
التّعريف :
1 - الجهل لغة : نقيض العلم . يقال جهلت الشّيء جهلا وجهالة بخلاف علمته ، وجهل على غيره سفه أو خطأ .
وجهل الحقّ أضاعه ، فهو جاهل وجهل . وجهّلته - بالتّثقيل - نسبته إلى الجهل .
وفي الاصطلاح : هو اعتقاد الشّيء على خلاف ما هو عليه ، وهو قسمان : بسيط ومركّب .
أ - الجهل البسيط : هو عدم العلم ممّن شأنه أن يكون عالماً .
ب - الجهل المركّب : عبارة عن اعتقاد جازم غير مطابق للواقع .
وقد سبق في مصطلح " جهالة " التّفرقة بين مصطلحي ( جهل وجهالة ) في استعمال الفقهاء لهما حيث يستعملون الجهل في حالة اتّصاف الإنسان به في اعتقاده أو قوله أو فعله ، ويستعملون الجهالة في حالة اتّصاف الشّيء المجهول بها ( ر : جهالة ) .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - النّسيان :
2 - النّسيان لغة لفظ مشترك بين معنيين :
أحدهما : ترك الشّيء عن ذهول وغفلة ، وذلك خلاف الذّكر له .
والثّاني : التّرك عن تعمّد ومنه قوله تعالى : ﴿ ولا تَنْسَوا الفَضْلَ بَينَكُمْ ﴾ أي : لا تقصدوا التّرك والإهمال . ونسيت ركعة أهملتها ذهولا ، وقال الزّمخشريّ : من المجاز نسيت الشّيء تركته . وفي الاصطلاح : هو الغفلة عن معلوم في غير حال السّنّة ، فلا ينافي الوجوب أي : نفس الوجوب ، لا وجوب الأداء .
قال القرافيّ : النّسيان لا إثم فيه من حيث الجملة ، بخلاف الجهل بما يتعيّن على الإنسان تعلّمه . والنّسيان أيضا يهجم على العبد قهرا لا حيلة له في دفعه عنه ، والجهل له حيلة في دفعه بالتّعلّم . قال التّهانويّ : وكذا الغفلة والذّهول والجهل البسيط بعد العلم يسمّى نسياناً . قال الآمديّ : إنّ الذّهول والغفلة والنّسيان عبارات مختلفة ، لكن يقرب أن تكون معانيها متّحدة ، وكلّها مضادّة للعلم ، بمعنى أنّه يستحيل اجتماعها معه .
ب - السّهو :
3 - السّهو في اللّغة من سها يسهو سهواً : أي غفل ، والسّهوة : الغفلة .
وفرّقوا بين السّاهي والنّاسي بأنّ النّاسي ، إذا ذكّرته تذكّر ، والسّاهي بخلافه .
وفي الاصطلاح قال التّهانويّ : ويقرب منه أي من ( الجهل ) السّهو وكأنّه جهل بسيط سببه عدم استثبات التّصوّر حتّى إذا نبّه السّاهي أدنى تنبيه تنبّه .
أقسام الجهل :
ينقسم الجهل إلى قسمين :
أوّلاً - الجهل الباطل الّذي لا يصلح عذراً :
4 - وهذا القسم لا يصلح أن يكون عذرا في الآخرة وإن كان قد يصلح عذراً في أحكام الدّنيا كقبول عقد الذّمّة من الذّمّيّ حتّى لا يقتل ، ولكن لا يكون عذرا في الآخرة حتّى أنّه يعاقب فيها . ومن أمثلة ذلك جهل الكفّار بصفات اللّه تعالى وأحكام الآخرة ، فإنّه لا يصلح عذراً أصلاً ، لأنّه مكابرة وعناد بعد وضوح الدّلائل على وحدانيّة اللّه تعالى وربوبيّته ، بحيث لا يخفى على أحد من حدوث العالم المحسوس ، وكذا على حقّيّة الرّسول من القرآن وغيره من المعجزات . وكذا جهل صاحب الهوى الّذي يقول بحدوث صفات اللّه تعالى ، أو يقول بعدم إثبات صفة له سبحانه .
هذا ما قاله الحمويّ ، وقال الزّركشيّ : الجهل بالصّفة هل هو جهل بالموصوف مطلقاً أو من بعض الوجوه ؟ المرجّح الثّاني ، لأنّه جاهل بالذّات من حيث صفاتها لا مطلقاً ، ومن ثمّ لا نكفّر أحدا من أهل القبلة .
ومن هذا القسم أيضاً جهل من خالف في اجتهاده الكتاب أو السّنّة المشهورة أو الإجماع ، أو عمل بالغريب على خلاف الكتاب أو السّنّة المشهورة فإنّه ليس بعذر أصلاً .
ثانياً - الجهل الّذي يصلح عذراً :
5 - الجهل الّذي يصلح أن يكون عذرا هو الجهل الّذي يكون في موضع الاجتهاد الصّحيح ، بأن لا يكون مخالفا للكتاب أو السّنّة أو الإجماع ، وذلك كالمحتجم إذا أفطر على ظنّ أنّ الحجامة مفطرة لا تلزمه الكفّارة ، لأنّ جهله في موضع الاجتهاد الصّحيح .
وتفصيله في مصطلح : ( حجامة ) .
ومن الجهل الّذي يصلح عذراً ، الجهل بالشّرائع في دار الحرب يكون عذرا من مسلم أسلم فيها ولم يهاجر ، حتّى لو مكث فيها ولم يعلم أنّ عليه الصّلاة والزّكاة وغيرهما ولم يؤدّها لا يلزمه قضاؤها خلافا لزفر لخفاء الدّليل في حقّه ، وهو الخطاب لعدم بلوغه إليه حقيقة بالسّماع وتقديرا بالشّهرة ، فيصير جهله بالخطاب عذراً .
بخلاف الذّمّيّ إذا أسلم في دار الإسلام لشيوع الأحكام والتّمكّن من السّؤال .
قال السّيوطيّ : كلّ من جهل تحريم شيء ممّا يشترك فيه غالب النّاس لم يقبل منه دعوى الجهل إلاّ أن يكون قريب عهد بالإسلام ، أو نشأ ببادية بعيدة يخفى فيها مثل ذلك ، كتحريم الزّنى ، والقتل ، والسّرقة ، والخمر ، والكلام في الصّلاة ، والأكل في الصّوم .
وقال الزّركشيّ : لو شهدا بقتل ثمّ رجعا وقالا تعمّدنا ، لكن ما عرفنا أنّه يقتل بشهادتنا فلا يجب القصاص في الأصحّ ، إذ لم يظهر تعمّدهما للقتل ، لأنّ ذلك ممّا يخفى على العوّام . ومن هذا القبيل أعني الّذي يقبل فيه دعوى الجهل مطلقاً لخفائه كون التّنحنح مبطلاً للصّلاة ، أو كون القدر الّذي أتى به من الكلام محرّماً ، أو النّوع الّذي تناوله مفطراً ، فالأصحّ في الصّور الثّلاث عدم البطلان . ولا تقبل دعوى الجهل في الأمور المشتهرة بين النّاس كثبوت الرّدّ بالعيب ، والأخذ بالشّفعة من رجل قديم الإسلام ، بخلاف ما لا يعرفه إلاّ الخواصّ .
6- هذا ويعقد الأصوليّون من الحنفيّة بابا لعوارض الأهليّة ، ويجعلون الجهل من العوارض المكتسبة ، وقد قسّم صاحب مسلّم الثّبوت الجهل إلى أنواع هي :
الأوّل : الجهل الّذي يكون من مكابرة العقل وترك البرهان القاطع وهو جهل الكافر ، لا يكون عذرا بحال ، بل يؤاخذ به في الدّنيا والآخرة .