عُذْر *
التّعريف :
1 - العذر لغةً : - هو الحجّة الّتي يعتذر بها ، والجمع أعذار ، يقال : لي في هذا الأمر عذر ، أي : خروج من الذّنب ، وفي المصباح : عذرته عذراً من باب ضرب : رفعت عنه اللّوم ، فهو معذور أي : غير ملوم .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الرّخصة :
2 - الرّخصة في اللّغة هي : اسم من " رخّص " تقول : رخّص له الأمر أي : أذن له فيه بعد النّهي عنه ، وتأتي بمعنى ترخيص اللّه للعبد في أشياء خفّفها عنه فهي إذن بمعنى : التّيسير والتّخفيف .
وفي الاصطلاح : هي ما شرع من الأحكام لعذر مع قيام السّبب المحرّم ، ولولا العذر لثبتت الحرمة .
ب - العفو :
3 - العفو في اللّغة : هو محو الذّنوب ، وهو - أيضاً - : التّجاوز عن الذّنب ، وترك العقاب عليه ، وهو أيضاً قبول الدّية في العمد .
وفي الاصطلاح : هو الصّفح وإسقاط اللّوم والذّنب ، وفي الجنايات هو : إسقاط وليّ المقتول القود عن القاتل .
أقسام العذر :
4 - ينقسم العذر من حيث العموم والخصوص إلى قسمين : عذر خاصّ ، وعذر عامّ .
القسم الأوّل :
أوّلاً : العذر الخاصّ بأحكام العبادات :
ويكون على نوعين :
النّوع الأوّل : العذر الملازم غالباً لفرد معيّن :
5 - ومنه : الاستحاضة وسلس البول وانفلات الرّيح ، وانطلاق البطن ، والجرح الّذي لا يرقأ والرّعاف الدّائم فكلّ مسلم مصاب بعذر من هذه الأعذار يكون معذوراً ، والمعذور بهذا الاعتبار : هو الّذي لا يمضي عليه وقت صلاة إلاّ والحدث الّذي ابتلي به موجود .
أثر هذه الأعذار في العبادات :
أ - في الوضوء والغسل والتّيمّم :
6 - اتّفق الفقهاء بالنّسبة للمستحاضة على أنّه إذا انتهت الأيّام المعتبرة حيضاً وجب عليها الاغتسال من الحيض ، ثمّ لا يجب عليها الغسل بعد ذلك في كلّ يوم ، أو لكلّ صلاة بسبب خروج دم الاستحاضة إلاّ إذا عرض لها ما يوجب الغسل غير الاستحاضة .
7 - ولكنّهم اختلفوا في كيفيّة وضوئها ، ووضوء من في حكمها من أصحاب الأعذار ، كمن به سلس البول ، وانفلات الرّيح ، وانطلاق البطن ، والجرح الّذي لا يرقأ :
فذهب الحنفيّة إلى أنّ هؤلاء يتوضّئون لوقت كلّ صلاة ، ويصلّون ما شاءوا من الفرائض أداءً أو قضاءً ، والواجبات كالوتر ، وكذا النّوافل حتّى يخرج الوقت ، ما لم يعرض ناقض من النّواقض الاعتياديّة واستدلّوا بما رواه ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » المستحاضة تتوضّأ لوقت كلّ صلاة « .
وقال عليه الصلاة والسلام لفاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها حين قالت له : إنّي أستحاض ، فلا أطهر : » توضّئي لوقت كلّ صلاة « وعليه يحمل قوله عليه الصلاة والسلام : » المستحاضة تتوضّأ لكلّ صلاة « ، لأنّه يراد بالصّلاة الوقت ، قال عليه الصلاة والسلام : » أينما أدركتني الصّلاة تمسّحت وصلّيت « ويقال : آتيك لصلاة الظّهر أي : لوقتها ، فالمستحاضة ومن في حكمها تكون بين الوقتين في حكم الطّاهرات ما لم يطرأ ناقض آخر .
وذهب المالكيّة إلى أنّ تكرار الوضوء بالنّسبة للمستحاضة ومن في حكمها من أصحاب الأعذار لا يجب لوقت كلّ صلاة وإنّما يستحبّ ذلك ، إلاّ إذا كان انقطاع الدّم أكثر من إتيانه فيجب ، لأنّ هذا من الحدث المبتلى به ، واحتجّوا بحديث عائشة رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت أبي حبيش : » فاغتسلي وصلّي « ولم يأمرها بالوضوء ، ولأنّه ليس بمنصوص على الوضوء منه ، ولا في معنى المنصوص ، لأنّ المنصوص عليه هو الخارج المعتاد ، وليس هذا بمعتاد .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّ المستحاضة ومن في حكمها من أصحاب الأعذار يجب أن يتوضّئوا لكلّ فرض بعد دخول وقته ، ويصلّوا مع هذا الفرض ما يشاءون من النّوافل ، مستدلّين بحديث فاطمة بنت أبي حبيش : » توضّئي لكلّ صلاة « ما لم يعرض لها ناقض اعتياديّ . وذهب الحنابلة إلى أنّ المستحاضة ومن في حكمها عليهم الوضوء لكلّ صلاة ، وبعد غسل محلّ الحدث وشدّه والتّحرّز من خروج الحدث بما يمكن مستدلّين بما روي عن عديّ بن ثابت عن أبيه عن جدّه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في المستحاضة : » تدع الصّلاة أيّام أقرائها ثمّ تغتسل وتتوضّأ لكلّ صلاة ، وتصوم وتصلّي « .
هذه أحكام الغسل والوضوء لأصحاب الأعذار ، ووسيلة التّطهّر في كليهما هي الماء ، ولكنّ هذا مشروط بالقدرة على استعماله ووجوده .
ولا يختلف حكم التّيمّم بالنّسبة للمستحاضة ومن في حكمها من أصحاب الأعذار ، فقد قاس الفقهاء التّيمّم على الوضوء والغسل في جميع أحوالهما ، بشرط فقدان الماء أو العجز عن استعماله مع وجوده ، فالتّيمّم مشروع عند إرادة الصّلاة وفقدان الماء ، وهو خلف عن الوضوء والغسل ، والخلف لا يخالف الأصل ، بل يقوم مقامه .
شرط ثبوت العذر وزواله :
8 - شرط ثبوت العذر : هو استمرار الحدث وعدم التّمكّن من حفظ الطّهارة ، أو استمراره أكثر من انقطاعه ، بحيث لا يمضي وقت صلاة إلاّ والحدث الّذي ابتلي به موجود وملازم له غالباً .
أمّا شرط زواله : فهو انقطاع العذر كالدّم وغيره ، وخروج صاحبه عن كونه معذوراً ، وخلوّ وقت كامل عنه ، لأنّ طهارة أصحاب الأعذار طهارة عذر وضرورة ، فتتقيّد بالوقت كالتّيمّم .
بطلان طهارة صاحب العذر :