تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مَضْمَضة *

التّعريف :

1 - المضمضة في اللغة : التّحريك , ومنه : مضمض النعاس في عينيه إذا تحرّكتا بالنعاس , ثمّ اشتهر باستعمالها في وضع الماء في الفم وتحريكه .

قال الفيوميّ : هي تحريك الماء في الفم , يقال : مضمضت الماء في فمي : إذا حرّكته بالإدارة فيه , وتمضمضت في وضوئي : إذا حرّكت الماء في فمي .

واصطلاحاً قال الدّردير والنّووي : أن يجعل الماء في فيه ويديره فيه ثمّ يمجه , أي يطرحه .

وقال ابن عابدين : استيعاب الماء جميع الفم ثمّ مجه .

وعرّفها ابن قدامة بأنّها : إدارة الماء في الفم .

ويؤخذ من هذه التّعاريف أنّ الفقهاء متّفقون على أنّ المضمضمة إدخال الماء إلى الفم , واختلفوا في إدارة الماء في الفم ومجّه .

ومذهب الجمهور عدم اشتراطهما , والأفضل عندهم فعلهما .

ومذهب المالكيّة اشتراطهما , وإلا فلا يعتدّ بها .

الحكم التّكليفي :

2 - اختلف الفقهاء في حكم المضمضة على ثلاثة أقوالٍ :

قال المالكيّة والشّافعيّة وأحمد في روايةٍ : إنّ المضمضة سنّة في الوضوء والغسل , وبه قال الحسن البصري والزهري والحكم وحمّاد وقتادة ويحيى الأنصاري والأوزاعي واللّيث , لقوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ فالوجه عند العرب : ما حصلت به المواجهة , وداخل الفم ليس من الوجه , ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « عشر من الفطرة » وذكر منها : « المضمضة والاستنشاق » , والفطرة سنّة , وذكرهما من الفطرة يدل على مخالفتهما لسائر الوضوء , ولقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابيّ : « توضّأ كما أمرك اللّه » ، قال النّووي : هذا الحديث من أحسن الأدلّة , لأنّ هذا الأعرابيّ صلّى ثلاث مرّاتٍ فلم يحسنها , فعلم النّبي صلى الله عليه وسلم حينئذٍ أنّه لا يعرف الصّلاة الّتي تفعل بحضرة النّاس وتشاهَد أعمالها , فعلّمه واجباتها وواجبات الوضوء , فقال النّبي صلى الله عليه وسلم : « توضّأ كما أمرك اللّه » , ولم يذكر له سنن الصّلاة والوضوء لئلا يكثر عليه فلا يضبطها , فلو كانت المضمضة واجبةً لعلّمه إيّاها , فإنّه ممّا يخفى , لا سيما في حقّ هذا الرّجل الّذي خفيت عليه الصّلاة الّتي تشاهد , فكيف الوضوء الّذي يخفى .

ويرى الحنفيّة وأحمد في روايةٍ أخرى أنّ المضمضة واجبة في الغسل , وسنّة في الوضوء , وبه قال سفيان الثّوري , لأنّ الواجب في باب الوضوء غسل الأعضاء الثّلاثة ومسح الرّأس , وداخل الفم ليس من جملتها , أما ما سوى الوجه فظاهر , وكذا الوجه , لأنّه اسم لما يواجه به الإنسان عادةً , والفم لا يواجه به بكلّ حالٍ فلا يجب غسله .

وأمّا وجوب المضمضة في الغسل فلأنّ الواجب هناك تطهير البدن لقوله تعالى : ﴿ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ ﴾ أي طهّروا أبدانكم فيجب غسل ما يمكن غسله من غير حرجٍ , ظاهراً كان أو باطناً , وممّا يؤكّد وجوب المضمضة والاستنشاق قوله صلى الله عليه وسلم : « إنّ تحت كلّ شعرةٍ جنابة فاغسلوا الشّعر وأنقوا البشرة » , وقالوا : في الأنف شعر وفي الفم بشرة . وقال الحنابلة في المشهور وابن المبارك وابن أبي ليلى وإسحاق وعطاء : إنّ المضمضة والاستنشاق واجبة في الطّهارتين أي الغسل والوضوء لما روت عائشة رضي اللّه عنها أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « المضمضة والاستنشاق من الوضوء الّذي لا بدّ منه » , ولأنّ كلّ من وصف وضوء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مستقصياً ذكر أنّه تمضمض واستنشق , ومداومته عليهما تدل على وجوبهما , لأنّ فعله يصلح أن يكون بياناً وتفصيلاً للوضوء المأمور به في كتاب اللّه .

كيفيّة المضمضة :

3 - قال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : يستحب أن يتمضمض ويستنشق بيمناه , لما ورد عن عثمان رضي الله عنه أنّه دعا بوضوء فأفرغ على كفّيه ثلاث مرارٍ فغسلهما ثمّ أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنثر ثمّ غسل وجهه ثلاث مرّاتٍ . . . ثمّ قال قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من توضّأ نحو وضوئي هذا ثمّ صلّى ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه غفر له ما تقدّم من ذنبه » , وعن عليٍّ رضي الله عنه : أنّه أدخل يده اليمنى في الإناء فملأ فمه فتمضمض واستنشق واستنثر بيده اليسرى ففعل ذلك ثلاثاً .

وقال الحنفيّة : المضمضة والاستنشاق باليمين سنّة , لما روي عن الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما أنّه استنثر بيمينه ، فقال معاوية رضي الله عنه : جهلت السنّة ، فقال الحسن رضي الله عنه : كيف أجهل والسنّة خرجت من بيوتنا ، أما علمت أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « اليمين للوجه واليسار للمقعد » .

وقال بعض الحنفيّة : المضمضة باليمين والاستنشاق باليسار , لأنّ الفم مطهرة , والأنف مقذرة , واليمين للأطهار , واليسار للأقذار .

4 - قال الحنفيّة والمالكيّة : إنّ السنّة في المضمضة والاستنشاق الفصل بينهما بأن يتمّ كل منهما بثلاث غرفاتٍ , أي أن تتمّ المضمضة بثلاث والاستنشاق بثلاث , لأنّ الّذين حكوا وضوء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أخذوا لكلّ واحدٍ منهما ماءً جديداً , ولأنّهما عضوان منفردان فيفرد كلّ واحدٍ منهما بماء على حدةٍ كسائر الأعضاء .

وقال الشّافعيّة في الأصحّ والحنابلة : إنّ المضمضة والاستنشاق مستحبّان من كفٍّ واحدةٍ يجمع بينهما , قال الأثرم : سمعت أبا عبد اللّه يسأل : أيهما أعجب إليك المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدةٍ , أو كل واحدةٍ منهما على حدةٍ ؟ قال : بغرفة واحدةٍ , وذلك لحديث عثمان وعليٍّ رضي الله عنهما .

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ١٨١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ١٨١٧