استنادٌ *
التعريف :
1 - الاستناد لغةً : مصدر استند . وأصله سند . يقال : سندت إلى الشّيء ، وأسندت إليه واستندت إليه : إذا ملت إليه واعتمدت عليه . والمسند : ما استندت إليه من المتاع ، واستند إلى فلانٍ : لجأ إليه في طلب العون .
وللاستناد في الاصطلاح معانٍ ثلاثةٌ :
الأوّل : الاستناد الحسّيّ ، وهو أن يميل الإنسان على الشّيء معتمداً عليه ، والاستناد بهذا المعنى طبق المعنى اللّغويّ .
الثّاني : الاستناد إلى الشّيء بمعنى الاحتجاج به .
الثّالث : الاستناد بمعنى ثبوت الحكم بأثرٍ رجعيٍّ ، وهو بالمعنى الثّاني والثّالث يعتبر استناداً معنويّاً .
المبحث الأوّل :
الاستناد الحسّيّ :
2 - الاستناد إلى الشّيء بهذا المعنى هو الميل على الشّيء مع الاعتماد عليه . وممّا له صلةٌ بالاستناد : الاتّكاء . وقد ذكر أبو البقاء أنّ الاستناد على الشّيء الاتّكاء عليه بالظّهر خاصّةً ، قال : الاتّكاء أعمّ من الاستناد ، وهو - يعني الاتّكاء - الاعتماد على الشّيء بأيّ شيءٍ كان ، وبأيّ جانبٍ كان . والاستناد : اتّكاءٌ بالظّهر لا غير . ولم نطّلع على هذا التّقييد في شيءٍ من كتب اللّغة .
أوّلاً : أحكام الاستناد في الصّلاة :
أ - الاستناد في الصّلاة المفروضة :
3 - الاستناد إلى عمادٍ - كحائطٍ أو ساريةٍ - في صلاة الفريضة للقادر على القيام مستقلاًّ دون اعتمادٍ . للفقهاء فيه اتّجاهاتٌ ثلاثةٌ :
الاتّجاه الأوّل : يرى الحنفيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة منعه ، وهو قولٌ للشّافعيّة . قالوا : من اعتمد على عصاً أو حائطٍ ونحوه بحيث يسقط لو زال العماد ، لم تصحّ صلاته ، قالوا : لأنّ الفريضة من أركانها القيام ، ومن استند على الشّيء بحيث لو زال من تحته سقط ، لا يعتبر قائماً . أمّا إن كان لا يسقط لو زال ما استند إليه ، فهو عندهم مكروهٌ ، صرّح به الحنفيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة . قال الحلبيّ في شرح المنية : يكره اتّفاقاً - أي بين أئمّة الحنفيّة - لما فيه من إساءة الأدب وإظهار التّجبّر . وعلّل ابن أبي تغلب - من الحنابلة - للكراهة بكون الاستناد يزيل مشقّة القيام .
والاتّجاه الثّاني : قول الشّافعيّة المقدّم لديهم أنّ صلاة المستند تصحّ مع الكراهة ، قالوا : لأنّه يسمّى قائماً ولو كان بحيث لو أزيل ما اعتمد عليه لسقط .
والاتّجاه الثّالث : أنّ استناد القائم في صلاة الفرض جائزٌ . روي ذلك عن أبي سعيدٍ الخدريّ وأبي ذرٍّ رضي الله عنهما وجماعةٍ من الصّحابة والسّلف . ثمّ إنّ الصّلاة المفروضة - الّتي هذا حكم الاستناد فيها - تشمل الفرض العينيّ والكفائيّ ، كصلاة الجنازة ، وصلاة العيد عند من أوجبها . وتشمل الواجب بالنّذر على من نذر القيام فيه على ما صرّح به الدّسوقيّ ، وألحق به الحنفيّة سنّة الفجر على قولٍ لتأكّدها .
ب - الاستناد في الفرض في حال الضّرورة :
4 - يتّفق الفقهاء على أنّه إذا وجدت الضّرورة ، بحيث لا يستطيع المصلّي أن يصلّي قائماً إلاّ بالاستناد ، أنّ الاستناد جائزٌ له . ولكن هل يسقط عنه فرض القيام فيجوز له الصّلاة جالساً مع التّمكّن من القيام بالاستناد ؟ للفقهاء في هذه المسألة اتّجاهان :
الأوّل : أنّ القيام واجبٌ حينئذٍ ولا تصحّ صلاته جالساً . وهو مذهب الحنفيّة على الصّحيح عندهم ، ومذهب الحنابلة ، وقولٌ مرجوحٌ عند المالكيّة ، ذهب إليه ابن شاسٍ وابن الحاجب . قال شارح المنية من الحنفيّة : لو قدر على القيام متوكّئاً على عصاً أو خادمٍ . قال الحلوانيّ : الصّحيح أنّه يلزمه القيام متّكئاً .
الثّاني : وهو المقدّم عند المالكيّة ، ومقابل الصّحيح عند الحنفيّة ، ومقتضى مذهب الشّافعيّة - كما تقدّم - أنّ فرض القيام ساقطٌ عنه حينئذٍ ، وتجوز صلاته جالساً . قال الحطّاب نقلاً عن ابن رشدٍ : لأنّه لمّا سقط عنه القيام ، وجاز له أن يصلّي جالساً ، صار قيامه نافلةً ، فجاز أن يعتمد فيه كما يعتمد في النّافلة ، والقيام مع الاعتماد أفضل . واشترط المالكيّة لجواز الصّلاة مع الاعتماد أن يكون استناده لغير حائضٍ أو جنبٍ ، فإن صلّى مستنداً إلى واحدٍ منهما أعاد في الوقت ، أي الوقت الضّروريّ لا الاختياريّ .
ج - الاستناد في الصّلاة أثناء الجلوس :
5 - الحكم في الاستناد في الجلوس كالحكم في الاستناد في القيام تماماً ، على ما صرّح به الحنفيّة : فإذا لم يقدر على القعود مستوياً ، وقدر متّكئاً ، يجب أن يصلّي متّكئاً أو مستنداً أمّا المالكيّة فقد قال الدّردير ما معناه : المعتمد أنّ القيام مستنداً أولى من الجلوس مستقلاًّ . أمّا الجلوس مستقلاًّ فواجبٌ لا يعدل عنه إلى الجلوس مستنداً إلاّ عند العجز . وكذا لا يصار إلى الجلوس مستنداً ممّن قدر على القيام بالاستناد . ومثل ذلك الجلوس مستنداً ، فهو مقدّمٌ وجوباً على الصّلاة مضطجعاً ، ولم نجد للشّافعيّة والحنابلة ذكراً لهذه المسألة .
د - الاستناد في النّفل :
6 - قال النّوويّ : الاتّكاء في صلاة النّفل جائزٌ على العصيّ ونحوها باتّفاق العلماء إلاّ ابن سيرين فقد نقلت عنه كراهته . وقال مجاهدٌ : ينقص من أجره بقدره . وقد فصّل الحنفيّة فقالوا : أنّه مكروهٌ في التّطوّع كما هو مكروهٌ في الفرض . لكن لو افتتح التّطوّع قائماً ثمّ أعيا - أي كلّ وتعب - فلا بأس عليه أن يتوكّأ على عصاً أو حائطٍ أو نحو ذلك . وإنّما فرّق الجمهور بين الاستناد في الفرض فمنعوه ، وأجازوه في النّفل ، لأنّ النّفل تجوز صلاته من جلوس دون قيامٍ ، فكذا يجوز الاستناد فيه مع القيام .
الاستناد في غير الصّلاة :
أ - استناد النّائم المتوضّئ :