صَلاَةُ المَرِيض *
التّعريف :
1 - المريض لغةً : من المرض ، والمرض - بفتح الرّاء وسكونها - فساد المزاج . والمرض اصطلاحاً : ما يعرض للبدن ، فيخرجه عن الاعتدال الخاصّ ، والمريض من اتّصف بذلك .
الألفاظ ذات الصّلة :
صلاة أهل الأعذار :
2 - أهل الأعذار : هم الخائف ، والعريان ، والغريق ، والسّجين ، والمسافر ، والمريض وغيرهم ، وبعض هذه الألفاظ أفردت له أحكام خاصّة ، وبعضها تدخل أحكامه في صلاة المريض .
الحكم التّكليفيّ :
3 - لا خلاف بين الفقهاء في جواز صلاة التّطوّع قاعداً مع القدرة على القيام ؛ لأنّ النّوافل تكثر، فلو وجب فيها القيام مثلاً شقّ ذلك ؛ وانقطعت النّوافل ، ولا خلاف في أنّ القيام أفضل. أمّا صلاة الفرض فحكمها التّكليفيّ يختلف باختلاف نوع المرض ، وتأثيره على الأفعال والأقوال فيها ، وهي تشمل الفرض العينيّ والكفائيّ ، كصلاة الجنازة ، وصلاة العيد عند من أوجبها ، وتشمل الواجب بالنّذر على من نذر القيام فيه .
وقد أجمع الفقهاء على أنّ من لا يطيق القيام له أن يصلّي جالساً .
ضابط المرض الّذي يعتبر عذراً في الصّلاة :
4 - إذا تعذّر على المريض كلّ القيام ، أو تعسّر القيام كلّه ، بوجود ألم شديد أو خوف زيادة المرض أو بطئه - يصلّي قاعداً بركوع وسجود .
والألم الشّديد كدوران رأس ، أو وجع ضرس ، أو شقيقة أو رمد .
ويخرج به ما لو لحق المصلّي نوع من المشقّة فإنّه لا يجوز له ترك القيام .
ومثل الألم الشّديد خوف لحوق الضّرر من عدوّ آدميّ أو غيره على نفسه أو ماله لو صلّى قائماً . وكذلك لو غلب على ظنّه بتجربة سابقة ، أو إخبار طبيب مسلم أنّه لو قام زاد سلس بوله ، أو سال جرحه ، أو أبطأ برؤه ، فإنّه يترك القيام ويصلّي قاعداً .
وإذا تعذّر كلّ القيام فهذا القدر الحقيقيّ ، وما سواه فهو حكميّ .
صور العجز والمشقّة :
عدم القدرة على القيام :
5 - القيام ركن في الصّلاة المفروضة لما ورد عن عمران بن حصين - أنّه قال - : « كانت بي بواسير ، فسألت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فقال : صلّ قائماً ، فإن لم تستطع فقاعداً ، فإن لم تستطع فعلى جنبك » .
فإن عجز عن القيام صلّى قاعداً ؛ للحديث المذكور ؛ ولأنّ الطّاعة بحسب الطّاقة .
فإن صلّى مع الإمام قائماً بعض الصّلاة ، وفتر في بعضها فصلّى جالساً صحّت صلاته .
ومن صلّى قاعداً يركع ويسجد ثمّ برئ بنى على صلاته قائماً عند الحنفيّة ، والحنابلة ، وجاز عند المالكيّة أن يقوم ببعض الصّلاة ثمّ يصلّي على قدر طاقته ثمّ يرجع فيقوم ببعضها الآخر، وكذلك الجلوس إن تقوّس ظهره حتّى صار كأنّه راكع ، رفع رأسه في موضع القيام على قدر طاقته . وتفصيل ذلك في مصطلح ( انحناء ) .
عدم القدرة على القيام لوجود علّة بالعين :
6 - إن كان بعين المريض وجع ، بحيث لو قعد أو سجد زاد ألم عينه فأمره الطّبيب المسلم الثّقة بالاستلقاء أيّاماً ، ونهاه عن القعود والسّجود ، وهو قادر على القيام فقيل له : إن صلّيت مستلقيًا أمكن مداواتك فقد اختلف الفقهاء فيه على رأيين :
الأوّل : عند جمهور الفقهاء يجوز له ترك القيام ؛ لأنّه يخاف الضّرر من القيام فأشبه المريض فيجزئه أن يستلقي ويصلّي بالإيماء لأنّ حرمة الأعضاء كحرمة النّفس .
الثّاني : لا يجوز له ترك القيام ، وهو وجه عند الشّافعيّة لما روي أنّ ابن عبّاس - رضي الله عنهما - لمّا وقع في عينيه الماء حمل إليه عبد الملك الأطبّاء فقيل له : إنّك تمكث سبعة أيّام لا تصلّي إلاّ مستلقياً فسأل عائشة ، وأمّ سلمة - رضي الله عنهما - فنهتاه .
عدم القدرة على رفع اليدين في التّكبير عند القيام أو غيره :
7 - يستحبّ رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام حذو منكبيه ؛ لما ورد عن ابن عمر – رضي الله عنهما - « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصّلاة رفع يديه حذو منكبيه ، وإذا كبّر للرّكوع ، وإذا رفع رأسه من الرّكوع » .
فإن لم يمكنه رفعهما ، أو أمكنه رفع إحداهما ، أو رفعهما إلى ما دون المنكب رفع ما أمكنه لقوله صلى الله عليه وسلم : « إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم » .
فإن كان به علّة إذا رفع اليد جاوز المنكب رفع ؛ لأنّه يأتي بالمأمور به وزيادة هو مغلوب عليها .
ويجوز للمريض غير القادر على أداء ركن من أركان الصّلاة الاتّكاء على شيء ، ويرجع في ذلك إلى مصطلح : ( اتّكاء ، استناد ) .
عدم القدرة على الرّكوع :
8 - الرّكوع في الصّلاة ركن ؛ لقوله تعالى : ﴿ ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ﴾ والجمهور على أنّ من لم يمكنه الرّكوع أومأ إليه ، وقرّب وجهه إلى الأرض على قدر طاقته ، ويجعل الإيماء للسّجود أخفض من إيماء الرّكوع ، لكن الخلاف في كيفيّة أداء ذلك مع عدم القدرة على الرّكوع دون القيام .
اختلف الفقهاء في ذلك على رأيين :
الأوّل : وهو الّذي عليه الجمهور أنّ القادر على القيام دون الرّكوع يومئ من القيام ، لأنّ الرّاكع كالقائم في نصب رجليه ، وذلك لقوله تعالى : ﴿ وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ ﴾ « وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين : صلّ قائماً » ولأنّه ركن قدر عليه ، على أن يكون هناك فرق واضح بين الإيماءين إذا عجز عن السّجود أيضاً .
الثّاني : عند الحنفيّة أنّ القيام يسقط عن المريض حال الرّكوع ، ولو قدر على القيام مع عدم القدرة على الرّكوع فيصلّي قاعداً يومئ إيماءً ؛ لأنّ ركنيّة القيام للتّوصّل به إلى السّجدة ؛ لما فيها من نهاية التّعظيم ، فإذا كان لا يتعقّبه السّجود لا يكون ركنًا فيتخيّر ، والأفضل عندهم هو الإيماء قاعداً ؛ لأنّه أشبه بالسّجود .
عدم القدرة على السّجود :