تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شَكّ *

تعريفه :

1 - الشّكّ لغةً : نقيض اليقين وجمعه شكوك . يقال شكّ في الأمر وتشكّك إذا تردّد فيه بين شيئين ، سواء استوى طرفاه أو رجح أحدهما على الآخر .

قال اللّه تعالى : ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ﴾ أي غير مستيقن ، وهو يعمّ حالتي الاستواء والرّجحان .

وفي الحديث الشّريف : » نحن أحقّ بالشّكّ من إبراهيم « قيل : إنّ مناسبته ترجع إلى وقت نزول قوله تعالى : ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ . حيث قال قوم - إذ ذاك - شكّ إبراهيم ولم يشكّ نبيّنا ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم - تواضعاً منه وتقديماً لإبراهيم على نفسه - : » نحن أحقّ بالشّكّ من إبراهيم « أي أنا لم أشكّ مع أنّني دونه فكيف يشكّ هو ؟ .

والشّكّ في اصطلاح الفقهاء : استعمل في حالتي الاستواء والرّجحان على النّحو الّذي استعملت فيه هذه الكلمة لغةً فقالوا : من شكّ في الصّلاة ، ومن شكّ في الطّلاق ، أي من لم يستيقن ، بقطع النّظر عن استواء الجانبين أو رجحان أحدهما . ومع هذا فقد فرّقوا بين الحالتين في جزئيّات كثيرة .

والشّكّ في اصطلاح الأصوليّين : هو استواء الطّرفين المتقابلين لوجود أمارتين متكافئتين في الطّرفين أو لعدم الأمارة فيهما .

الألفاظ ذات الصّلة :

أ - اليقين :

2 - اليقين مصدر يقن الأمر ييقن إذا ثبت ووضح ، ويستعمل متعدّياً بنفسه وبالياء ، ويطلق - لغةً - على العلم الحاصل عن نظر واستدلال ولهذا لا يسمّى علم اللّه يقيناً .

وهو عند علماء الأصول : الاعتقاد الجازم المطابق للواقع الثّابت . فاليقين ضدّ الشّكّ . فيقال شكّ وتيقّن ولا يقال شكّ وعلم لأنّ العلم اعتقاد الشّيء على ما هو به على سبيل الثّقة .

ب - الاشتباه :

3 - الاشتباه هو مصدر اشتبه ، يقال : اشتبه الشّيئان وتشابها ، إذا أشبه كلّ واحد منهما الآخر، كما يقال : اشتبه عليه الأمر أي اختلط والتبس لسبب من الأسباب أهمّها الشّكّ ، فالعلاقة بينهما - إذاً - سببيّة حيث يعدّ الشّكّ سبباً هامّاً من أسباب الاشتباه .

كما قد يكون الاشتباه سبباً للشّكّ .

ج - الظّنّ :

4 - الظّنّ مصدر ظنّ من باب قتل وهو خلاف اليقين ، ويطلق عند الأصوليّين على الطّرف الرّاجح من الطّرفين .

وقد يستعمل مجازاً بمعنى اليقين كقوله تعالى : ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ ﴾ .

وقد تقدّم أنّ الفقهاء لا يفرّقون غالباً بين الظّنّ والشّكّ .

د - الوهم :

5 - الوهم مصدر وهم وهو عند الأصوليّين طرف المرجوح من طرفي الشّكّ .

وهو ما عبّر عنه الحمويّ - نقلاً عن متأخّري الأصوليّين - حيث قال : الوهم تجويز أمرين أحدهما أضعف من الآخر .

والمتأكّد أنّه لا يرتقي لإحداث اشتباه إذ " لا عبرة للتّوهّم " . وبناءً على ذلك ذكر الفقهاء أنّه لا يثبت حكم شرعيّ استناداً على وهم ، ولا يجوز تأخير الشّيء الثّابت بصورة قطعيّة بوهم طارئ.

أقسام الشّكّ باعتبار حكم الأصل الّذي طرأ عليه :

6 - ينقسم الشّكّ - إجمالاً - بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأوّل : شكّ طرأ على أصل حرام مثل أن يجد المسلم شاةً مذبوحةً في بلد يقطنه مسلمون ومجوس فلا يحلّ له الأكل منها حتّى يعلم أنّها ذكاة مسلم ، لأنّ الأصل فيها الحرمة ووقع الشّكّ في الذّكاة المطلوبة شرعاً ، فلو كان معظم سكّان البلد مسلمين جاز الإقدام عليها والأكل منها عملاً بالغالب المفيد للحلّيّة .

القسم الثّاني : شكّ طرأ على أصل مباح كما لو وجد المسلم ماءً متغيّراً فله أن يتطهّر منه مع احتمال أن يكون تغيّر بنجاسة ، أو طول مكث ، أو كثرة ورود السّباع عليه ونحو ذلك استناداً إلى أنّ الأصل طهارة المياه . مع العلم أنّ اللّه تعالى لم يكلّف المؤمنين تجشّم البحث للكشف عن طهارته أو نجاسته تيسيراً عليهم ، حيث ورد في الأثر أنّ عمر بن الخطّاب - رضي الله تعالى عنه - خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص - رضي الله عنه - حتّى وردوا حوضاً فقال عمرو بن العاص لصاحب الحوض : يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السّباع ؟ فقال عمر : يا صاحب الحوض لا تخبرنا ، فإنّا نرد على السّباع ، وترد علينا .

وفيه أيضاً : أنّ عمر بن الخطّاب نفسه كان مارّاً مع صاحب له فسقط عليهما شيء من ميزاب ، فقال صاحبه : يا صاحب الميزاب ماؤك طاهر أو نجس ؟ فقال عمر : يا صاحب الميزاب لا تخبرنا ، ومضى .

فإن اشتبه عليه ماء طاهر وماء نجس تحرّى ، فما أدّاه اجتهاده إلى طهارته توضّأ به .

القسم الثّالث : شكّ لا يعرف أصله مثل التّعامل مع شخص أكثر ماله حرام دون تمييز لهذا من ذاك لاختلاط النّوعين معاً اختلاطاً يصعب تحديده ، فمثل هذا الشّخص لا تحرم مبايعته ولا التّعامل معه لإمكان أن يكون المقابل حلالاً طيّباً ، ولكن رغم هذا الاحتمال فقد نصّ الفقهاء على كراهة التّعامل معه خوفاً من الوقوع في الحرام .

كما نصّوا على أنّ " المشكوك في وجوبه لا يجب فعله ولا يستحبّ تركه بل يستحبّ فعله احتياطاً " .

أقسام الشّكّ بحسب الإجماع على اعتباره وإلغائه :

7 - ذكر القرافيّ أنّ الشّكّ بهذا الاعتبار ينقسم أيضاً إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأوّل : مجمع على اعتباره كالشّكّ في المذكّاة والميتة ، فالحكم تحريمهما معاً .

القسم الثّاني : مجمع على إلغائه ، كمن شكّ هل طلّق أم لا ؟ فلا شيء عليه ، وشكّه يعتبر لغواً. القسم الثّالث : اختلف العلماء في جعله سبباً ، كمن شك هل أحدث أم لا ؟ فقد اعتبره مالك دون الشّافعيّ .

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ١٢٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ١٢٧٩