مَواطِن الإجابة *
التّعريف :
1 - المواطن جمع الموطن ، والموطن : اسم المكان من وَطَنَ يقال : وَطَنَ فلانٌ بالمكان ، وأوطن : إذا قام به ، وأوطنه أيضاً : اتّخذه وطناً .
والوَطَن : المنزل تقيم به ، وهو موطنُ الإنسان ومحله . ويقال : أوطَنَ فلانٌ أرض كذا ، أي اتّخذها محلاً ومسكناً يقيم فيها .
والموطن أيضاً : الموقف والمشهد من مشاهد الحرب . قال اللّه تعالى : ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ﴾ ، وإذا اتّخذ الرّجل مكاناً معلوماً من المسجد مخصوصاً به يصلّي فيه ، قيل : أوطَنَ فيه ، وفي الحديث : « نهى النّبي صلى الله عليه وسلم صلّى اللّه عليه وسلّم عن نُقرة الغراب , وافتراش السّبع وأن يوطِنَ الرّجل المكان في المسجد كما يوطِنُ البعير » ، أي كالبعير لا يأوي من العطن إلّا إلى مبركٍ قد أوطنه واتّخذه مُناخاً . والإجابة المقصودة هنا : إجابة اللّه تبارك وتعالى دعاءَ الدّاعين .
ومواطن الإجابة على هذا : هي المظانُّ الّتي يغلب على الظّنّ أنَّ من دعا فيها استُجيب له . حكم تحرّي الدعاء في مواطن الإجابة :
2 - تحرِّي الدعاء في مواطن الإجابة مستحب ، ويفهم الاستحباب من مختلف الصّيغ الواردة في الكتاب والسنَّة ، كالثّناء على فاعله في مثل قول اللّه تعالى : ﴿ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ، وكالتّخصيص في نحو قوله تعالى في الحديث القدسيّ : « من يدعوني فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له » ، وربّما صرّحت بعض الأحاديث بالأمر المفيد للاستحباب ، كما في حديث عمرو بن عبسة أنّه سمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول : « أقرب ما يكون الرّب من العبد في جوف اللّيل الآخر ، فإن استطعت أن تكون ممّن يذكر اللّه في تلك السّاعة فكن » .
قال الغزالي : من آداب الدعاء أن يترصَّد لدعائه الأوقات الشّريفة ، كيوم عرفة من السّنة ، ويوم الجمعة من كلّ أسبوع ، ووقت السّحر من ساعات اللّيل .
وقال النّووي : قال أصحابنا - يعني الشّافعيّة - يستحب أن يكثر في ليلة القدر من الدّعوات المستحبَّة ، وفي المواطن الشّريفة .
وقال البهوتي : يتحرَّى الدّاعي أوقات الإجابة كالثلث الأخير من اللّيل ، وعند الأذان والإقامة.
3 - وليس معنى كون الزّمان المعيَّن أو المكان المعيَّن موطناً للإجابة أنّ حصول المطلوب بالدعاء متعيِّن بكلّ حال ، بل المراد أنّه أرجى من غيره .
قال ابن حجر في شرح حديث : « ينزل ربنا . . . » : لا يعترض على ذلك بتخلُّفه عن بعض الدّاعين ؛ لأنّ سبب التّخلُّف وقوع الخلل في شرطٍ من شروط الدعاء ، كالاحتراز في المطعم والمشرب والملبس ، أو لاستعجال الدّاعي ، أو بأن يكون الدعاء بإثم أو قطيعة رحم، أو تحصل الإجابة به ويتأخّر وجود المطلوب لمصلحة العبد ، أو لأمر يريده اللّه تعالى ، ويدل على ذلك حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم ، إلّا أعطاه اللّه بها إحدى ثلاث : إمّا أن تعجّل له دعوته ، وإمّا أن يدّخرها له في الآخرة ، وإمّا أن يصرف عنه من السوء مثلها ، قالوا : إذاً نكثر ؟ قال : اللّه أكثر » .
واللّه تعالى وعد الدّاعي بأن يستجيب له ، وعداً مطلقاً غير مقيَّد بزمان أو مكان أو حال ، قال تعالى : ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ ، وقال ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ .
فإجابته للدعاء في كلّ وقتٍ توجّه إليه فيه العبد بالدعاء ، ولذا كان تخصيص موطن معيَّن بالإجابة دالاً على تأكدها فيه ، وليس المراد الحصر ونفي الإجابة عمّا عداه .
أنواع مواطن الإجابة :
4 - مواطن الإجابة ثلاثة أنواع :
أ - أوقات شريفة اختصَّها اللّه تعالى بأن جعلها مواسم لهذه الأمّة تحصّل بها رضوان اللّه تعالى بذكره ودعائه ، كما قال تعالى في مناسك الحجّ : ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ ﴾ .
ب - أماكن شريفة خصَّها اللّه تعالى بذلك ، وهي مواطن محدودة يكون فيها الدّاعي متلبّساً بعبادة أخرى .
ج - أحوال معيّنة يرجى فيها قبول الدعاء .
منها الدعاء عند زحف الصفوف في سبيل اللّه تعالى ، وعند نزول الغيث ، وعند إقامة الصّلوات المكتوبة .
والدعاء بعرفة مثال لما اجتمع فيه شرف الزّمان وشرف المكان وشرف الحال .
قال الغزالي : وبالحقيقة يرجع شرف الأوقات إلى شرف الأحوال ، إذ وقت السّحر وقت صفاء القلب وإخلاصه ، وفراغه من المشوّشات ، ويوم عرفة ويوم الجمعة وقت اجتماع الهمم وتعاون القلوب على استدرار رحمة اللّه عزّ وجلّ . قال : فهذا أحد أسباب شرف الأوقات ، سوى ما فيها من أسرار لا يطّلع البشر عليها .
وفي كل من هذه المواطن تفصيل بيانه فيما يلي :
أوّلاً - المواطن الزّمانيّة :
أ - ثلث اللّيل الآخر :
5 - ثلث اللّيل الآخر من مواطن الإجابة ، ودليل ذلك ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « ينزل ربنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السّماء الدنيا حين يبقى ثلث اللّيل الآخر ، يقول : من يدعوني فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له » . وفي رواية : « حتّى ينفجر الفجر » .