السُّنَن الرّواتب *
التّعريف :
1 - السّنّة لغةً : المنهج والطّريقة سواء أكانت محمودةً أم مذمومةً . ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : « من سنّ في الإسلام سنّةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، ومن سنّ في الإسلام سنّةً سيّئةً كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء » .
ثمّ غلب استعمال السّنّة في الطّريقة المحمودة المستقيمة .
وتعريف السّنّة اصطلاحاً سيأتي في بحث ( سنّة ) .
أمّا الرّواتب فهو جمع راتبة من رتب الشّيء رتوباً ، أي : استقرّ ودام فهو راتب ، وسمّيت السّنن الرّواتب بذلك لمشروعيّة المواظبة عليها .
قال الشّافعيّة : السّنن الرّواتب هي : السّنن التّابعة لغيرها ، أو الّتي تتوقّف على غيرها أو على ما له وقت معيّن كالعيدين والضّحى والتّراويح .
ويطلقها الفقهاء على الصّلوات المسنونة قبل الفرائض وبعدها ، لأنّها لا يشرع أداؤها وحدها بدون تلك الفرائض . ولم يقصر الشّافعيّة السّنن الرّواتب على الصّلاة فقد صرّحوا بأنّ للصّوم سنناً رواتب كصيام ستّ من شوّال .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - سنن الزّوائد :
2 - هي الّتي تكون إقامتها حسنةً ولا يتعلّق بتركها كراهة ولا إساءة ، كأذان المنفرد والسّواك .
ب - النّوافل :
3 - النّوافل جمع نافلة ، والنّافلة لغةً : ما زاد على النّصيب المقدّر ، أو الحقّ أو الفرض ، أو ما يعطيه الإمام للمجاهد زيادةً عن سهمه .
والنّافلة أعمّ من السّنّة ، لأنّها تنقسم : إلى معيّنة ، ومنها السّنن الرّواتب ، ومطلقة كصلاة اللّيل .
الحكم التّكليفيّ لأداء السّنن الرّواتب :
4 - يرى جمهور الفقهاء استحباب المواظبة على السّنن الرّواتب .
وذهب مالك في المشهور عنه : إلى أنّه لا توقيت في ذلك حمايةً للفرائض ، لكن لا يمنع من تطوّع بما شاء إذا أمن ذلك .
وصرّح الحنفيّة : أنّ تارك السّنن الرّواتب يستوجب إساءةً وكراهيةً . وفسّر ابن عابدين استيجاب الإساءة بالتّضليل واللّوم . وقال صاحب كشف الأسرار : الإساءة دون الكراهة . وقال ابن نجيم : الإساءة أفحش من الكراهة . وفي التّلويح : ترك السّنّة المؤكّدة قريب من الحرام .
وقال الحنابلة بكراهة ترك الرّواتب بلا عذر . هذا في الحضر .
وفي السّفر يرى جمهور الفقهاء: استحباب صلاة السّنن الرّواتب أيضاً لكنّها في الحضر آكد. واستدلّوا بأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصلّي النّوافل على راحلته في السّفر حيث توجّهت به » . وبحديث « أبي قتادة أنّهم كانوا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في سفر فناموا عن صلاة الصّبح حتّى طلعت الشّمس ، فساروا حتّى ارتفعت الشّمس ، ثمّ نزل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فتوضّأ ، ثمّ أذّن بلال بالصّلاة فصلّى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ركعتين ، ثمّ صلّى الغداة فصنع كما كان يصنع كلّ يوم » .
وجوّز بعض الحنفيّة للمسافر ترك السّنن ، والمختار عندهم أنّه لا يأتي بها في حال الخوف ، ويأتي بها في حال القرار والأمن .
وعند الحنابلة يخيّر المسافر بين فعل الرّواتب ، وتركها إلاّ في سنّة الفجر والوتر فيحافظ عليهما سفراً وحضراً .
وقالت طائفة : لا يصلّي الرّواتب في السّفر وهو مذهب ابن عمر ثبت عنه في الصّحيحين ، قال حفص بن عاصم : « صحبت ابن عمر في طريق مكّة فصلّى لنا الظّهر ركعتين ثمّ أقبل وأقبلنا معه حتّى جاء رحله وجلس وجلسنا معه فحانت منه التفاتة نحو حيث صلّى ، فرأى ناساً قياماً فقال : ما يصنع هؤلاء ؟ قلت : يسبّحون . قال : لو كنت مسبّحاً لأتممت صلاتي ، يا ابن أخي : إنّي صحبت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في السّفر فلم يزد على ركعتين حتّى قبضه اللّه ، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتّى قبضه اللّه ، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين ، حتّى قبضه اللّه ، ثمّ صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتّى قبضه اللّه، وقد قال اللّه تعالى : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ » .
هذا وقال بعض الفقهاء : بسقوط عدالة المواظب على ترك السّنن الرّواتب في غير السّفر . ينظر تفصيل المسألة في مصطلح ( عدالة ) .
عدد ركعات السّنن الرّواتب :
5 - قال الشّافعيّة والحنابلة : عدد ركعات السّنن الرّواتب عشر ركعات وهو أدنى الكمال عند الشّافعيّة ، ركعتان قبل الظّهر وركعتان بعدها ، وركعتان بعد المغرب ، وركعتان بعد العشاء ، وركعتان قبل الفجر . لقول عائشة - رضي الله عنها - : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يصلّي في بيته قبل الظّهر أربعاً ، ثمّ يخرج فيصلّي بالنّاس ثمّ يدخل فيصلّي ركعتين ، وكان يصلّي بالنّاس المغرب ثمّ يدخل فيصلّي ركعتين ، ويصلّي بالنّاس العشاء ويدخل بيتي فيصلّي ركعتين » .
وقال الشّافعيّة : الأكمل في الرّواتب غير الوتر ثماني عشرة ركعةً ، ركعتان قبل الفجر ، وأربع قبل الظّهر ، وثنتان بعدها ، وأربع قبل العصر ، وثنتان بعد المغرب ، وأربع قبل العشاء وثنتان بعدها .
وعدّد كلّ من الشّافعيّة والحنابلة الوتر من السّنن الرّواتب .
وقال الشّافعيّة والحنابلة : أفضل الرّواتب الوتر ، وركعتا الفجر ، وأفضلهما الوتر على الجديد الصّحيح عند الشّافعيّة ، وفي وجه هما سواء وتأتي بعد ذلك عند الحنابلة سنّة المغرب .
قالت عائشة - رضي الله عنها - : « إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لم يكن على شيء من النّوافل أشدّ منه تعاهداً على ركعتي الفجر » .
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « لا تدعوا ركعتي الفجر وإن طردتكم الخيل » .