جهر *
التّعريف :
1 - الجهر لغة : إعلان الشّيء وعلوّه . ويقال جهرت بالكلام أعلنت به ، ورجل جهير الصّوت ، أي عاليه . قال أبو هلال العسكريّ : وأصله رفع الصّوت ، يقال جهر بالقراءة إذا رفع صوته بها . وفي القرآن ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا ﴾ أي بقراءتك في صلاتك . ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ الأوّل وهو الإعلان .
الألفاظ ذات الصّلة :
2 - منها : الإسرار ، والمخافتة ، والكتمان ، وقد تقدّم الكلام فيها تحت عنوان ( إسرار ) . ومنها الإظهار ، والإفشاء ، والإعلان ، وتقدّم الكلام فيها تحت عنوان ( إظهار ) .
حدّ الجهر والإسرار :
3 - اختلف الفقهاء في تقدير الحدّ الأعلى والأدنى لكلّ من الجهر والإسرار .
فقال ابن عابدين : أدنى المخافتة إسماع نفسه أو من بقربه من رجل أو رجلين مثلاً ، وأعلاها مجرّد تصحيح الحروف .
وأدنى الجهر إسماع غيره ممّن ليس بقربه كأهل الصّفّ الأوّل ، وأعلاه لا حدّ له .
وعند المالكيّة : أعلى السّرّ حركة اللّسان فقط ، وأدناه سماع نفسه .
وأمّا الجهر فأقلّه أن يسمع نفسه ومن يليه ، وأعلاه لا حدّ له .
وبهذا قال الكرخيّ وأبو بكر البلخيّ من الحنفيّة . وجهر المرأة إسماعها نفسها فقط .
وعند الشّافعيّة : السّرّ إسماع نفسه حيث لا مانع ، والجهر أن يسمع من يليه .
وعند الحنابلة : أدنى الجهر أن يسمع نفسه ، وأدنى الجهر للإمام سماع غيره ولو واحداً ممّن وراءه .
الأحكام المتعلّقة بالجهر :
أ - الجهر بأقوال الصّلاة :
4 - الجهر بالتّكبير : ذهب جمهور الفقهاء إلى استحباب الإسرار بالتّكبيرات في حقّ المأموم والمنفرد . ومحلّ الإسرار في حقّ المأموم إن لم يكن مبلّغاً وإلاّ جهر بقدر الحاجة . وقال المالكيّة : يندب الجهر بتكبيرة الإحرام لكلّ مصلّ .
أمّا غيرها من التّكبير فالأفضل فيه الإسرار في حقّ غير الإمام .
أمّا الإمام فيسنّ جهره بالتّكبير اتّفاقاً ليتمكّن المأموم من متابعته فيه لقوله صلى الله عليه وسلم « فإذا كبّر فكبّروا » .
الجهر بالتّعوّذ :
5 - ذهب الحنفيّة والحنابلة والشّافعيّة على الأظهر إلى سنّيّة الإسرار بالتّعوّذ في الصّلاة ولو كانت جهريّة . لأنّ الجهر به لم ينقل عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم .
وعن عليّ وابن مسعود رضي الله عنهما أنّهما قالا : أربع يخفيهنّ الإمام وذكر منها التّعوّذ ، ولأنّ الأصل في الأذكار هو الإخفاء لقوله تعالى : ﴿ وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً ﴾ فلا يترك إلاّ لضرورة .
ويرى الشّافعيّة - على القول الثّاني مقابل الأظهر - استحباب الجهر بالتّعوّذ في الصّلاة ، وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه كان يجهر به .
وقال ابن أبي ليلى - وهو القول الثّالث للشّافعيّة - الجهر والإسرار سواء ولا ترجيح وهما حسنان . ويكره التّعوّذ عند المالكيّة قبل الفاتحة والسّورة بفرض أصليّ أسرّ به أو جهر ، وجاز بنفل . واختار موفّق الدّين ابن قدامة الجهر بالتّعوّذ في الجنازة .
قال في الفروع : إنّه المنصوص عن أحمد تعليما للسّنّة .
وللتّفصيل في صفة التّعوّذ ومحلّه وسائر الأحكام المتعلّقة به ( ر : استعاذة ) .
الجهر بالبسملة :
6 - ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه تسنّ قراءة البسملة سرّاً في الصّلاة السّرّيّة والجهريّة . قال التّرمذيّ : وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من التّابعين ، ومنهم أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ . وهذا ما حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وعمّار بن ياسر وابن الزّبير ، والحكم ، وحمّاد ، والأوزاعيّ ، والثّوريّ ، وابن المبارك . وروي عن أنس رضي الله عنه أنّه قال : « صلّيت مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم » .
وقال أبو هريرة « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا يجهر بها » .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّ السّنّة الجهر بالتّسمية في الصّلاة الجهريّة في الفاتحة وفي السّورة بعدها . فقد روى ابن عبّاس رضي الله عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم جهر ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم » ، ولأنّها تقرأ على أنّها آية من القرآن بدليل أنّها تقرأ بعد التّعوّذ فكان سنّتها الجهر كسائر الفاتحة .
قال النّوويّ : الجهر بالتّسمية قول أكثر العلماء من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم من الفقهاء والقرّاء ، ثمّ ذكر الصّحابة الّذين قالوا به منهم أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليّ ، وعمّار بن ياسر ، وأبيّ بن كعب ، وابن عمر ، وابن عبّاس .
وحكى القاضي أبو الطّيّب وغيره عن ابن أبي ليلى والحكم أنّ الجهر والإسرار سواء .
ويرى المالكيّة على المشهور كراهة استفتاح القراءة في الصّلاة ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم مطلقاً في أمّ القرآن وفي السّورة الّتي بعدها سرّاً وجهراً .
قال القرافيّ من المالكيّة : الورع البسملة أوّل الفاتحة خروجا من الخلاف إلاّ أنّه يأتي بها سرّاً ويكره الجهر بها . ولتفصيل ذلك ينظر مصطلح : ( ر : بسملة ) .
الجهر بالقراءة :
أ - جهر الإمام :
7 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يسنّ للإمام أن يجهر بالقراءة في الصّلاة الجهريّة كالصّبح ، والجمعة ، والأوليين من المغرب والعشاء .