تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تغسيل الميّت *

التّعريف :

1 - التّغسيل في اللّغة : مصدر غسّل بالتّشديد ، بمعنى : إزالة الوسخ عن الشّيء ، بإجراء الماء عليه ، والميّت بالتّخفيف والتّشديد : ضدّ الحيّ ، وأمّا الحيّ - فهو بالتّشديد لا غير - بمعنى من سيموت . ومنه قوله تعالى : ﴿ إنَّكَ مَيِّتٌ وَإنَّهمْ مَيِّتُونَ ﴾ ويستوي فيه المذكّر والمؤنّث ، قال تعالى : ﴿ لِنُحْيِيَ به بَلْدَةً مَيْتَاً ﴾ ولم يقل ميّتة .

فتغسيل الميّت من قبيل إضافة المصدر إلى المفعول .

وفي الاصطلاح : تعميم بدن الميّت بالماء بطريقة مسنونة .

الحكم التّكليفيّ :

2 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ تغسيل الميّت المسلم واجب كفاية ، بحيث إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، لحصول المقصود بالبعض ، كسائر الواجبات على سبيل الكفاية. لقوله عليه الصلاة والسلام : « للمسلم على المسلم ستّ وعدّ منها : أن يغسّله بعد موته » والأصل فيه : « تغسيل الملائكة عليهم الصلاة والسلام لآدم عليه السلام . ثمّ قالوا : يا بني آدم هذه سنّتكم » .

وأمّا القول بسنّيّة الغسل عند بعض المالكيّة ، فقد اقتصر على تصحيحه ابن الحاجب وغيره.

ما ينبغي لغاسل الميّت ، وما يكره له :

3 - ينبغي أن يكون الغاسل ثقة أميناً ، وعارفاً بأحكام الغسل .

وفي الحديث عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لِيغسّل موتاكم المأمونون » .

ولا يجوز له إذا رأى من الميّت شيئاً ممّا يكره أن يذكره إلا لمصلحة ، لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنّه قال : « من غسّل ميّتاً ، فأدّى فيه الأمانة ، ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه » .

وإن رأى حسناً مثل أمارات الخير من وضاءة الوجه ونحو ذلك ، استحبّ له إظهاره ليكثر التّرحّم عليه ، ويحصل الحثّ على طريقته ، والتّبشير بجميل سيرته .

إلا إذا كان الميّت مبتدعاً ، ورأى الغاسل منه ما يكره ، فلا بأس أن يحدّث النّاس به ، ليكون زجرا لهم عن البدعة .

كما يستحبّ أن يليّن مفاصله إن سهلت عليه ، وإن شقّ ذلك لقسوة الميّت أو غيرها تركها ، لأنّه لا يؤمن أن تنكسر أعضاؤه . ويلفّ الغاسل على يده خرقة خشنة يمسحه بها ، لئلا يمسّ عورته . لأنّ النّظر إلى العورة حرام . فاللّمس أولى ، ويعدّ لغسل السّبيلين خرقة أخرى . قال الشّافعيّة : ويكره للغاسل أن ينظر إلى شيء من بدنه إلّا لحاجة ، أمّا المعيّن فلا ينظر إلا لضرورة .

كما يكره له أن يقف على الدّكّة ، ويجعل الميّت بين رجليه ، بل يقف على الأرض ويقلّبه حين غسله ، كما ينبغي له أن يشتغل بالتّفكّر والاعتبار ، لا بالأذكار الّتي ابتدعوها لكلّ عضو ذكر يخصّه ، فإنّها بدعة .

النّيّة في تغسيل الميّت :

4 - ذهب الحنفيّة إلى : أنّ النّيّة ليست شرطا لصحّة الطّهارة ، بل شرط لإسقاط الفرض عن المكلّفين ، فلو غسّل الميّت بغير نيّة أجزأ لطهارته ، لا لإسقاط الفرض عن المكلّفين . وذهب المالكيّة ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة ، وظاهر نصّ الشّافعيّ ، ورواية عن الحنابلة إلى : عدم اشتراط النّيّة في تغسيل الميّت ، لأنّ الأصل عند المالكيّة : أنّ كلّ ما يفعله في غيره لا يحتاج فيه إلى نيّة ، كغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً ، ولأنّ القصد التّنظيف ، فأشبه غسل النّجاسة . وذهب الشّافعيّة في قول آخر ، والحنابلة في رواية أخرى إلى وجوب النّيّة ، لأنّ غسل الميّت واجب ، فافتقر إلى النّيّة كغسل الجنابة ، ولمّا تعذّرت النّيّة من الميّت اعتبرت في الغاسل ، لأنّه المخاطب بالغسل .

تجريد الميّت وكيفيّة وضعه حالة الغسل :

5 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة ، وهو أحد قولي الشّافعيّة ، ورواية عن أحمد إلى أنّه يستحبّ تجريد الميّت عند تغسيله ، لأنّ المقصود من الغسل هو التّطهير وحصوله بالتّجريد أبلغ . ولأنّه لو اغتسل في ثوبه تنجّس الثّوب بما يخرج ، وقد لا يطهر ، وإليه ذهب ابن سيرين . والصّحيح المعروف عند الشّافعيّة ، وهو رواية المرّوذيّ عن أحمد أنّه يغسّل في قميصه . وقال أحمد : يعجبني أن يغسّل الميّت وعليه ثوب رقيق ينزل الماء فيه ، يدخل يده من تحته ، قال : وكان أبو قلابة إذا غسّل ميّتا جلّله بثوب . واعتبره القاضي سنّة ، فقال : السّنّة أن يغسّل الميّت في قميص ، فيمرّ يده على بدنه ، والماء يصبّ .

ولأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم غسّل في قميصه » .

وأمّا ستر عورته فلا خلاف فيه ، لأنّ ستر العورة واجب ومأمور به ، هذا إذا كان الذّكر يغسّل الذّكر ، والأنثى تغسّل الأنثى ، وأمّا إذا كان الذّكر المحرم يغسّل الأنثى ، وعكسه ، فيستر جميع بدن الميّت . وأمّا كيفيّة وضعه عند تغسيله ، فهي أنّه يوضع على سرير أو لوح هيّئ له ، ويكون موضع رأسه أعلى لينحدر الماء ، ويكون الوضع طولا ، كما في حالة المرض إذا أراد الصّلاة بإيماء .

ومن الحنفيّة من اختار الوضع كما يوضع في القبر . والأصحّ أنّه يوضع كما تيسّر .

عدد الغسلات وكيفيّتها :

6 - قبل أن يبدأ الغاسل بتغسيل الميّت يزيل عنه النّجاسة ، ويستنجيه عند أبي حنيفة ومحمّد . وأمّا إزالة النّجاسة وإنقاؤها فأبو حنيفة ومحمّد يقولان به بلا إجلاس وعصر في أوّل الغسل ، وعند المالكيّة يندب عصر البطن حالة الغسل ، وعند الشّافعيّة والحنابلة يكون إجلاس الميّت وعصر بطنه في أوّل الغسل .

ثمّ يوضّئه وضوءه للصّلاة ، ولا يدخل الماء في فيه ولا أنفه ، وإن كان فيهما أذى أزاله بخرقة يبلّها ويجعلها على أصبعه ، فيمسح أسنانه وأنفه حتّى ينظّفهما . وهذا عند الحنفيّة والحنابلة ، وإليه ذهب سعيد بن جبير والنّخعيّ والثّوريّ ، وقال شمس الأئمّة الحلوانيّ : وعليه عمل النّاس اليوم .

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ٦٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ٦٥٧