صَوْمُ التَّطوّع *
التّعريف :
1 - الصّوم لغةً : مطلق الإمساك .
واصطلاحاً : إمساك عن المفطرات حقيقةً أو حكماً في وقت مخصوص من شخص مخصوص مع النّيّة .
والتّطوّع اصطلاحاً : التّقرّب إلى اللّه تعالى بما ليس بفرض من العبادات .
وصوم التّطوّع : التّقرّب إلى اللّه تعالى بما ليس بفرض من الصّوم .
فضل صوم التّطوّع :
2 - ورد في فضل صوم التّطوّع أحاديث كثيرة ، منها :
حديث سهل رضي الله تعالى عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » إنّ في الجنّة باباً يقال له : الرّيّان ، يدخل منه الصّائمون يوم القيامة ، لا يدخل منه أحد غيرهم . فيقال : أين الصّائمون ؟ فيقومون ، لا يدخل منه أحد غيرهم . فإذا دخلوا أغلق ، فلم يدخل منه أحد «
ومنها ما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : » من صام يوماً في سبيل اللّه باعد اللّه تعالى وجهه عن النّار سبعين خريفاً « .
أنواع صوم التّطوّع :
3 - قسّم الحنفيّة صوم التّطوّع إلى مسنون ، ومندوب ، ونفل .
فالمسنون : عاشوراء مع تاسوعاء .
والمندوب : صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر ، وصوم يوم الاثنين والخميس ، وصوم ستّ من شوّال ، وكلّ صوم ثبت طلبه والوعد عليه : كصوم داود عليه الصلاة والسلام ، ونحوه . والنّفل : ما سوى ذلك ممّا لم تثبت كراهته .
وقسّم المالكيّة - أيضاً - صوم التّطوّع إلى ثلاثة أقسام :
سنّة ، ومستحبّ ، ونافلة .
فالسّنّة : صيام يوم عاشوراء .
والمستحبّ : صيام الأشهر الحرم ، وشعبان ، والعشر الأول من ذي الحجّة ، ويوم عرفة ، وستّة أيّام من شوّال ، وثلاثة أيّام من كلّ شهر ، ويوم الاثنين والخميس .
والنّافلة : كلّ صوم لغير وقت ولا سبب ، في غير الأيّام الّتي يجب صومها أو يمنع .
وعند الشّافعيّة والحنابلة : صوم التّطوّع والصّوم المسنون بمرتبة واحدة .
أحكام النّيّة في صوم التّطوّع :
أ - وقت النّيّة :
4 - ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى أنّه لا يشترط تبييت النّيّة في صوم التّطوّع ، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : » دخل عليّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال : هل عندكم شيء ؟ فقلنا :لا ، فقال : فإنّي إذاً صائم « وذهب المالكيّة إلى أنّه يشترط في نيّة صوم التّطوّع التّبييت كالفرض .
لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » من لم يبيّت الصّيام من اللّيل فلا صيام له « فلا تكفي النّيّة بعد الفجر ، لأنّ النّيّة : القصد ، وقصد الماضي محال عقلاً .
5- واختلف جمهور الفقهاء في آخر وقت نيّة التّطوّع :
فذهب الحنفيّة : إلى أنّ آخر وقت نيّة صوم التّطوّع الضّحوة الكبرى . والمراد بها : نصف النّهار الشّرعيّ ، والنّهار الشّرعيّ : من استطارة الضّوء في أفق المشرق إلى غروب الشّمس ، ونصّوا على أنّه لا بدّ من وقوع النّيّة قبل الضّحوة الكبرى ، فلا تجزئ النّيّة عند الضّحوة الكبرى اعتباراً لأكثر اليوم كما قال الحصكفيّ .
وذهب الشّافعيّة : إلى أنّ آخر وقت نيّة صوم التّطوّع قبل الزّوال ، واختصّ بما قبل الزّوال لما روي :» أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة يوماً : هل عندكم شيء ؟ قالت: لا . قال : فإنّي إذن صائم « . إذ الغداء اسم لما يؤكل قبل الزّوال ، والعشاء اسم لما يؤكل بعده ، ولأنّه مضبوط بيّن ، ولإدراك معظم النّهار به كما في ركعة المسبوق .
قال الشّربينيّ الخطيب : وهذا جرى على الغالب ممّن يريد صوم النّفل وإلاّ فلو نوى قبل الزّوال - وقد مضى معظم النّهار - صحّ صومه .
وذهب الحنابلة - والشّافعيّة في قول مرجوح - إلى امتداد وقت النّيّة إلى ما بعد الزّوال ، قالوا : إنّه قول معاذ وابن مسعود وحذيفة ، ولم ينقل عن أحد من الصّحابة - رضي الله عنهم - ما يخالفه صريحاً ، ولأنّ النّيّة وجدت في جزء النّهار ، فأشبه وجودها قبل الزّوال بلحظة .
ويشترط لصحّة نيّة النّفل في النّهار : أن لا يكون فعل ما يفطره قبل النّيّة ، فإن فعل فلا يجزئه الصّوم حينئذ .
ب - تعيين النّيّة :
6 - اتّفق الفقهاء على أنّه لا يشترط في نيّة صوم التّطوّع التّعيين ، فيصحّ صوم التّطوّع بمطلق النّيّة ، وقال النّوويّ : وينبغي أن يشترط التّعيين في الصّوم المرتّب ، كصوم عرفة ، وعاشوراء ، والأيّام البيض ، والسّتّة من شوّال ، ونحوها ، كما يشترط ذلك في الرّواتب من نوافل الصّلاة .
والمعتمد عند الشّافعيّة خلاف ما صرّح به النّوويّ ، قال المحلّيّ : ويجاب بأنّ الصّوم في الأيّام المذكورة منصرف إليها ، بل لو نوى به غيرها حصلت أيضاً - كتحيّة المسجد - لأنّ المقصود وجود الصّوم فيها ، قال القليوبيّ : هذا الجواب معتمد من حيث الصّحّة ، وإن كان التّعيين أولى مطلقاً .
ما يستحبّ صيامه من الأيّام :
أ - صوم يوم وإفطار يوم :
7 - من صيام التّطوّع صوم يوم وإفطار يوم ، وهو أفضل صيام التّطوّع ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » أحبّ الصّلاة إلى اللّه صلاة داود عليه السلام ، وأحبّ الصّيام إلى اللّه صيام داود : وكان ينام نصف اللّيل ، ويقوم ثلثه ، وينام سدسه ، ويصوم يوماً ويفطر يوماً« .
ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعبد اللّه بن عمرو رضي الله عنهما : » صم يوماً وأفطر يوماً ، فذلك صيام داود عليه السلام ، وهو أفضل الصّيام ، فقلت : إنّي أطيق أفضل من ذلك. فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : لا أفضل من ذلك « .
قال البهوتيّ : لكنّه مشروط بأن لا يضعف البدن حتّى يعجز عمّا هو أفضل من الصّيام ، كالقيام بحقوق اللّه تعالى وحقوق عباده اللازمة ، وإلاّ فتركه أفضل .
ب - صوم عاشوراء وتاسوعاء :